طارق العبودي
الدول التي تتحرر من الأنظمة الدكتاتورية وما عانته شعوبها من تعسف وظلم واستبداد، تشرع بعد التحرير ببناء نظام ديمقراطي يوفر العدالة الاجتماعية والاستقرار والرفاه والتقدم لشعوبها وبلدانها.
وهذا بالتأكيد له مقدمات واستحضارات اجتماعية وسياسية واقتصادية، المفروض توفيرها للنهوض بالبلد إلى مراحل متقدمة على جميع الصعد. والممهدات والمقدمات هي وضوح الرؤية السياسية للمتصدين لها من خلال مشروع وطني وبرنامج يحظى بمقبولية من كل القوى والتيارات الوطنية صاحبة التغيير، بالإضافة إلى مستوى الوعي السياسي والاجتماعي للمجتمع، ووجود قوى شعبية وسياسية ساندة وداعمة لهذا التوجه، ووضع خطط ستراتيجية علمية ومدروسة وفق الإمكانيات المطروحة، تتماشى مع معطيات الواقع وطبيعة العصر لبناء البلد وبناء علاقات حسن جوار مع الدول الأخرى، بدون التدخل بشؤون الغير، وإشاعة الديمقراطية وضمان حقوق جميع المكونات.
نحن في العراق اعتمد دستورنا بعد سقوط الدكتاتورية النظام البرلماني وما يتبعه من مؤسسات ديمقراطية تنبثق عن طريق الانتخابات. وهذه الديمقراطية للأسف مشوهة وعرجاء وفاشلة، لأنها بنيت على أساس المحاصصة الإثنية والسياسية، واعتمدت على تقاسم النفوذ والمراكز والسلطة بين الأحزاب المتنفذة، وغيّبت العناصر الوطنية وأصحاب الكفاءة والأهلية والتخصص عن استلام المراكز الإدارية في البلد، وأصبحت المناصب تباع وتشترى في مزاد السياسة الفاسدة. ولهذا، طيلة ٢٣ عامًا لم يجنِ شعبنا خيرًا ولم يرَ أي ملمح وأي مظهر من مظاهر التقدم والبناء المشار إليها بالبنان، على سبيل المثال إعادة تأهيل المعامل الإنتاجية المتوقفة عن العمل لاستقطاب الأيدي العاملة من الشباب والقضاء على البطالة، أو تطوير الجانب الزراعي، أو الارتقاء بالجانب الصحي والتعليمي، ولم نسمع أي تشريعات من قبل البرلمان تصب في صالح تطور وتقدم البلد، وإنما برز العكس، وهو الصراع والتناحر والفساد فيما بين الأحزاب السياسية داخل البرلمان.
وكل حزب يسعى لإفشال أي مشروع وأي منجز اقتصادي أو اجتماعي أو خدمي من قبل الحزب الآخر حتى لا يُجير لصالح ذلك الحزب، وبالنتيجة يكون الخاسر هو شعبنا وبلدنا.
وهذا الفشل والإخفاق انسحب على مجالس المحافظات هي الأخرى، بحيث أصبحت ساحة للصراع والخلافات والمناكفات من أجل النفوذ والمصالح والمناصب، ناسين ومغيبين مصالح شعبهم ومعاناة الناس وانعدام الخدمات المقدمة لمحافظاتهم.
وتشم داخل أروقتها رائحة الفساد وبيع وشراء المناصب والكومشنات مع الشركات العاملة في المحافظة، حتى أوصلوا شعبنا إلى حالة اليأس والجزع والرفض من وجود هذا النظام وهذه المؤسسات، بسبب ما خلفته من معاناة وفقر وفوضى.
ولهذا نرى شعبنا نزل إلى الشارع بكل مكوناته الاجتماعية والقومية والطائفية والمذهبية، وهو يتطلع إلى الحرية والكرامة والاستفادة من خيرات وموارد بلده المتعددة، ويشرع ببناء نظام ديمقراطي يوفر العدالة الاجتماعية والاستقرار والرفاه والتقدم لشعبنا.










