TOP

جريدة المدى > عام > الجذر العميق الذي يستمد منها المبدع مادته الإبداعية

الجذر العميق الذي يستمد منها المبدع مادته الإبداعية

أثر المدرسة الأولى في أبداع المثقف

نشر في: 17 فبراير, 2026: 12:01 ص

علاء المفرجي
تُعَدُّ النشأة الأولى المرحلةَ الأساسية في تكوين شخصية الإنسان عامةً، والأديب أو الفنان خاصةً؛ إذ فيها تتشكل ملامح روحه، وتتحدد اتجاهاته الفكرية، وتتكون مشاعره الأولى تجاه العالم من حوله. فالطفولة ليست مجرد مرحلة زمنية عابرة، بل هي الجذور العميقة التي يستمد منها المبدع مادته الإبداعية ورؤيته للحياة.
فالبيئة الأسرية تمثل المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل قيمه ومبادئه. فإذا نشأ الأديب في أسرة تقدّر العلم وتشجع على القراءة، نما لديه حب المعرفة واتسع خياله، أما إذا عانى القسوة أو الإهمال فقد تنعكس تلك المعاناة في أعماله أدبًا يفيض بالألم أو التمرد. كما أن المستوى الثقافي للأسرة يؤثر في ثراء لغته وأسلوبه وقدرته على التعبير.
إلى جانب الأسرة، تؤدي البيئة الاجتماعية دورًا مهمًا في تشكيل وجدان المبدع؛ فالنشأة في الريف مثلًا قد تغرس في نفسه حب الطبيعة والبساطة، بينما قد تمنحه الحياة في المدينة خبرات متنوعة وصورًا متجددة تنعكس في أعماله. كذلك تسهم الظروف الاقتصادية والسياسية في توجيه اهتماماته نحو قضايا معينة كالفقر أو الحرية أو العدالة.
ولا يمكن إغفال أثر الخبرات المبكرة، كفقدان عزيز أو التعرض لحدث مؤثر، إذ تبقى هذه التجارب محفورة في الذاكرة، وتتحول مع الزمن إلى رموز وأفكار تتجسد في نتاجه الأدبي أو الفني.
والخلاصة أن النشأة الأولى تمثل الأساس الذي يُبنى عليه إبداع الأديب أو الفنان، فهي التي تمنحه ملامحه النفسية والفكرية الأولى، غير أن التجارب اللاحقة تسهم في صقل موهبته وتطويرها. ومن ثمّ فإن فهم نشأة المبدع يساعدنا على فهم أعمق لأعماله وإبداعه.
ما الذي ألهم في الفنان أو الاديب من النشأة الأولى، وكان له أثر بالغ في وعيه، وفي ميله للابداع. عدد من مثقفينا أجاب على هذا السؤال.
الممثل والمخرج فلاح هاشم: تجربة الإذاعة المدرسية والمسرح المدرسي
- كانت طفولة غنية بمحيطها الإدراكي.. حيث بساتين البصرة و انهارها و طيبة اهلها و انفتاحها على العالم كميناء. و زادها ثراء أن أغلت المعلمين و المدرسين الذين تتلمذنا على أيديهم كانوا شعراء او عشاقا للأدب. يشجعوننا على المطالعة و أن لا تنحصر اهتماماتنا في كتب المدرسة فقط مما خلق بيننا و بين المجلات و الكتب علاقة مبكرة و حميمة. و كانت هناك تجربة الإذاعة المدرسية و المسرح المدرسي، الذي نشطت فيه أيام المتوسطة خاصة و قبل دخولي معهد الفنون الجميلة لدراسة المسرح.. و لحسن الحظ كانت هناك مكتبة ثرية في متوسطة النضال لها خزانات تتراكم فيها الكتب.. و باعتباري مجتهدا في اللغة العربية و ناشطا في تحرير النشرات الأدبية فقدو أوكلت لي الإدراة مهمة تصنيف الكتب و ترقيمها و نقلها الى بناء خاص مقتطع من قاعتها الكبيرة و جعلتني أمينا للمكتبة يشرف على الاستعارات و المرجوعات. فكانت فرصة ثمينة لي أن أعيش معظم وقتي داخل المكتبة و التحول الى قارئ نهم. و كانت كتب التراث تستهويني كما الروايات المترجمة و المؤلفات العربية الحديثة لكيار الكتاب العرب. فحين دخلت المعهد كانت لي ذخيرة ادبية و اسعة مع اتقان لقواعد النحو و محاولات شعرية نمت فيما بعد و درست العووض و نشر لي الراحل جبرا ابراهيم جبرا أولى قصائدي في مجلة (العاملون في النفط).
و عودة الى الطفولة و الصبا فقد كانت الحياة آمنة الى حد نستطيع فيه ان نبحر في بحر يومنا دون قلق سابحين في شط العشار و صائدين للسمك و لاعبين مع السلاحف و صاعدين النخل لجني التمر و لاعبين الكرة والمبارزة و ألوانا من الألعاب الشعبية في علاقات بعيش فيها ابناء الحي و كأنهم أبناء عائلة واحدة.
و أضافة الى المسرح المدرسي كان هناك خريجو مسرح يقدمون أعمالهم على مسرح مديرية التربية في العشار و خصوصا الفنان محمد وهيب الذي بهرني بأدائه شخصية أوديب تمثيلا و اخراجا. فنمت رغبتي بأن أدرس المسرح وأن لا اتوقف عند حدود الهواية بعد أن مثلث بعض المسرحيات مع الفنان الفطري الموهوب عزيز الكعبي.
و قد حصل و حققت هذه الرغبة. فكان معهد الفنون الجميلة بحلته الجديدة حين دخلته حيث عاد من الخارج مجموعة ذهبية من الأساتذة منهم حميد محمد جواد و قاسم محمد و محسن العزاوي و فاضل قزاز و خالد سعيد أضافة الى الكوادر المخضرمة فيه. و لحسن الحظ و بسبب الجهد الشخصي تخرجت الأول على دفعتي. فحصلت على بعثة الى الخارج تمت سرقتها مني، و لهذا قصة طويلة.. و لكن بسبب كوني الأول على المعهد فقد منحت درجة تعيين في بغداد و لم أرسل الى مدينتي البصرة. و هذا منحتي فرصة ا لقرب من ا لإذاعة و التلفزيون. و مهد لي العمل فيهما و بشكل يومي.
الكاتب علي عبد النبي الزيدي: كنتُ مصراً ان أكون اسماً مهماً في عالم التأليف المسرحي الذي أعشق
- أقول دائماً تـأثير المدينة (الناصرية) بوصفها الحاضن لكل تفاصيل حياتي، سخونة أحداثها ومواقفها، شخصياتها، شوارعها، مقاهيها، هذه ليست رومانسية.. ولكنني هكذا أراني تأثرت بكل هذا فكونتني، ربما لو ولدت في مكان بارد جغرافياً لم يكن لي أي انجاز كما أجزم أو هكذا أظن! وقد بدأت رحلتي منذ مشاهداتي الأولى للسينما وللمسرح في الناصرية الى ممارسة مرحلة التمثيل منذ نعومة عمري، والحكاية هنا طويلة جداً... هي رحلة على شكل محطات، فيها الكثير من الألم والصعوبات والفقدانات والضياع أحياناً، ولكن في روحها صخب من الذكريات والأحلام والتطلعات والاصرار على النجاحات والانجازات عراقياً ومن ثم عربياً، لم يكن المستحيل حاضراً على الإطلاق في تلك المحطات.. بل كنتُ مصراً ان أكون اسماً مهماً في عالم التأليف المسرحي الذي أعشق واحتراف الكتابة، فتحوّلت الكتابة عندي بعد ذلك الى صنعة ممتعة أسجّلُ فيها مواقفي من الحياة والمجتمع والسياسة والدكتاتوريات وسواها كما تؤكد كتبي وأعمالي التي قدمت على خشبات المسارح في العراق وكل بلدان الوطن العرابي. لقد انطلقت من محليتي حيت الولادة في مدينة الناصرية، والعيش في ضنك المعيشة حيث (الشقة) التي لا تصلح للسكن البشري وما زلتُ أعيش في تفاصليها والتي كتبت فيها أهم نصوصي المسرحية.. فكانت نافذة صغيرة باتجاه العالم الأكبر، عشت في الناصرية وما زلتُ مصراً على البقاء فيها حيث روح تلك المدينة الساحرة المهيمنة كما أراها هكذا بكل تفاصليها الساخنة التي أثرت في وعيي وخيالي وفكري...
الفوتوغرافي احسان الجيزاني: نشأت في أحضان الجنوب، تعلمت هناك دراستي الأولية
نشأتي جنوبية كما تعرف، فأبي من البصرة وأمي من العمارة، ونشأت في تلك الحاضنة الجنوبية، تعلمت هناك في دراستي الأولية، أما ولعي بالفوتوتغراف، فقد بدأ وأنا في عمر الخامسة، عندما رجع عمي من الجزائر بداية السبعينيات، حيث كان يعمل مدرسا منتدبا هناك، وجاءت معه كاميرا التقط فيها صور كثيرة، ومرة دعاني لمشاهدة صوره، فكان سؤالي له بعد مشاهدة الصور: اين انت في الصورة.. ابتسم وقال: أنا موجود أنظر للصور جيدا. وطبعا هو لم يكن في الصور، فالصور كان موضوعها الناس والأماكن، عند هذا الحادث بدأ شغفي في الصور، اقتنيت وأنا ما أزال صبيا كاميرا روسية من نوع (زينيت) وهي كاميرا مشهورة في وقتها، وبدأت أمارس هوايتي في التقاط الصور في محل سكني، أو في المدرسة، حتى صرت المصور الوحيد، والتي كانت إدارات المارس يستدعوني لتصوير مناسباتهم.
كل معارضي هي قضايا عن الانسان والبيئة عن بلدي العراق وواجهت بها النظام الدكتاتوري والان الحكم الفاسد من خلال معارضي وكذلك قدمتها الى حقوق الانسان وعرضتها الى حكومة المانيا وبالاخص قضيت الجفاف ودعمت الاهوار في ادراجها في التراث العالمي.. ولحد هذه اللحظة انا في محاربة الحكومة الفاسدة الحالية وهي تتفرج على الجفاف بدون اي حل جذري لهذه المشكلة التي يواجهها العراق.. وانا في حرب دائمة مع مع حكومة الفساد.. الفنان موقف ورسالة
الفوتوغراف يستطيع فعل الكثير من الأبداع و الخروج لمساحات و مجالات اكبر.. بل ظهرت فنون جديدة، أو لنقل أخذت منحنيات جديدة وفارقة بدرجة كبيرة.. كلمتها اليوم في الأدب أكثر قوة من الكلمة او التعبير اللغوي. أجد الفوتوغراف اليوم يجمع جميع الفنون و الأدب و العلوم، و هنا أنا لا ابالغ بتاتا. بالأمس كانت المصطلحات و التخصصات و المجالات السياسية و الاقتصادية و الإجتماعية تفرق بين كل ذلك، و اليوم الكاميرا أو الصورة تجمع كل ذلك و تطغى على كل ذلك..
الأديب عباس عبد جاسم: كتاب " الأرواح المتمردة "، استدرجني بنداء غامض أشعرني بلذة مصحوبة بمتعة آسرة،
كانت الطفولة بالنسبة لي غابة، والبستان قبعة، كان ظلي يرافقني، وأنا أخاصر الأشجار، والضفاف تمشي معي، سادر مع بنت الآغا، والبراءة نعيم باذخ، كنت أرى الشمس تستحم في النهر عارية من ورقة التوت.
ذلك هو بيتنا الذي لم أره الآن!!، فقد اختفى البستان وانحسر المد، حتى ظلّل الحزن ما تبقى من الضفاف، وغابت عنها الأشجار، وذات مرة فاجاني معلمي الأول ابراهيم سندان: أين كنت سادرا ً في الصف؟ انتبهت. وقد ضج التلاميذ كلهم بالضحك. ثم أعاد اليَّ « دفتر الانشاء»: هل جئتم من الريف الى المدينة؟ قلت له: لا، سكت ولم يقل شيئا ً، ثم صحبني معلمي في الفرصة الى مكتبة المدرسة، وتركني في قاعة المكتبة، تحيط بي رفوف الكتب المصفوفة، فشعرت برهبة وحيرة وإرتباك، وبحركة عفوية إستللت كتابا عنوانه « سجين زندا « فتلقف أمين المكتبة الأستاذ عبد الرحيم الكتاب مني، فادرج اسمي في « سجل الاستعارة «.
وذات يوم سألني معلم الرسم، وهو يتأمل المنظر الذي رسمته في دفتر الرسم: ما لون السماء؟
أجبته: زرقاء، علّق باستغراب: إذا ً لماذا صبغت السماء باللون الرمادي؟ ثم نظر اليَّ: ومالون النوارس؟ قلت له: بيضاء، رد باستغراب أكثر: اذا ً لماذ صبغت النوارس باللون الأزرق؟! لم أجب. نزع المعلم نظارته ثم نظر اليّ بصمت، ولم يقل لي شيئا ً؛ سوى انه ربت على كتفي. قال المعلم استبدلوا الكتب فيما بينكم!!
كان كتاب « بائعة الخبز» بحوزتي، ولا أزال احفظ اسم مؤلفه « كزافيه دي مونتابين» استبدلته بكتاب آخر لدى صديقي الذي يجلس الى جنبي على مصطبة الدرس، كان عنوانه « الأرواح المتمرِّدة « لجبران خليل جبران، ولو لم يطلب المعلم منّا قراءة كتاب ما، ومن ثم الكتابة عنه، ما قرأته ولا كتبت عنه.
لمّا قرأت كتاب « الأرواح المتمردة «، استدرجني بنداء غامض أشعرني بلذة مصحوبة بمتعة آسرة، أيقظت نزعة التمرّد في أعماقي، حتى رأيتني في عالم آخر، هائم مع أرواح (جبران) المتمرِّدة، لازمان فيه ولا مكان، ولم أتحرّر من سطوته لسنوات طويلة، إلا ّ بعد أن صحوت صبيحة الخامس من هزيمة حزيران عام 1967، فاختض الواقع في مخيلتي ولم يعد يتسم بالمنطق والاتساق، وكأن كل شيء تَبدّد من حولي في لحظة عابرة.
وانا صبي في الحادية عشر من عمري، لم أفهم أخلاق السياسة يومذاك، ولكنني كنت أرى مظاهر القتل في شوراع بغداد: اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، سحل الجثت في الشوارع عام 1963، حتى صرت اتخيّل الموت يتمطى في وسادة النوم تحت رأسي آخر الليل.
منذ طفولتي، لا تزال ذاكرتي معطوبة بالصور السوداء لـ « أميركا»، فقد رأيت عبر التلفاز جثث القتلى في لاوس وكمبوديا وفيتنام، ولا أزال اتخيل حرائق البيوت، وأعمدة الدخان تتصاعد من القرى، والجثث طافية على سطوح المستنقعات، وقبل ذلك محو هنود الاوركو، وإبادة الهنود الحمر، والتمثيل بفروج النساء واستخدام الاعضاء الذكورية للهنود كأكياس للتبغ، والصراخ يتناهى اليَّ من ترسبات مطموسة في القاع. وها أنذا أنظر الآن الى الاطفال في بلادي بوعي معذّب، وهم يلعبون بدمى الأسلحة!!
الناقد محمد جبير: حكايات قبل النوم، ونحن أطفال صغار، أثرها الكبير في إطلاق خيالاتي
كانت لحكايات قبل النوم، ونحن أطفال صغار، أثرها الكبير في إطلاق خيالات الطفولة، وتصوّر أشكال الحيوانات التي تذكرها جدّتي وهي تصف لنا الليالي المظلمة في الشتاءات الباردة، كانت طريقتها مثيرة ومشوّقة كأنّها سارد ماهر يدرك جيّدًا سرّ مهنته في الحكي، لم أكن أصدّق أنّ جدّتي بصيرة، وتعرفنا واحدًا وحدًا من خلال أصواتنا، تلك الشفاهية السردية، فتحت لنا آفاقًا واسعة بعد أن دخلنا المدرسة الابتدائية في العام 1961في مدرسة جميلة، ومن ثَمّ مدرسة ناظم الطبقجلي في منطقة الصليخ القديم، ووجدنا في المدرسة عالَمًا جديدً أوسع من البيت، وصرنا نمسك بالقلم والورقة، ونخطّ الحروف والكلمات، كانت تلك الأوراق عالمنا الجديد، فضلًا عن الدروس الأخرى اللا صفية، مثل الرياضة والرسم والأعمال اليدوية، أضافت المدرسة لمخيالنا البسيط عن الطنطل، والسعلوة، والنسر، والدبّة، ممارسات واقعية، ورسّخت في عقولنا مفردات سمعنا بها لكنّنا لم نكن نعرف رسم حروفها، بعد عامنا الدراسي الأوّل، صار بإمكاننا أن نتعرّف على الكلمات المكتوبة على الجدران، أو في الصحف والمجلات، كان ذلك الاكتشاف مصدر فرح بالنسبة لي على الصعيد الشخصي، وصار من هواياتي المحببة التعرّف على كلمات جديدة بعيدًا عن كلمات كتاب القراءة الخلدونية الذي سحرني بما فيه من حكايات وقصائد مكتوبة خصيصًا للأطفال، في العطلة الصيفية للصف الرابع الابتدائي اشتريت أوّل كتاب، وكان عن عنتر بن شداد، وهو كتاب حوادث وقصائد عمودية، لم أختر ذلك الكتاب، وإنّما أراده والدي أن أقرأ له تلك الحوادث، فقد كان مغرمًا ببطولات عنترة، لكن هذه الرحلة قادتني إلى مطالعات أخرى، إلى مجلّات متنوعة فنّية وفكاهية، كنت أدبّر ثمنها من مصروفي اليومي البسيط، أنهينا الابتدائية، وكانت المظاهرات الاحتجاجية عن نكسة حزيران قد انطلقت من الميدان متّخذة مسارها في شارع الرشيد، وجدت نفسي بين جموع المتظاهرين وسط الشارع وأنا لا أدرك شيئًا، ابتعدت عن ساحة الميدان، وابتعدت عن باص مصلحة نقل الركاب رقم (5) الذي أستقلّه للبيت، بعد سيري تلك المسافة خرجت من وسط التظاهرة إلى رصيف شارع الرشيد، وأعود أدراجي إلى موقف الباص، في المتوسطة كنّا في « ثانوية الكفاح»، ومن هنا جاءت نقطة التحوّل إلى الأدب، حيث تعرفت من خلال الكتب التي كان يقتنيها عمي الأصغر عوالم مختلفة بين السياسة والأدب، فقد كان كتاب «ثمن إسرائيل» إلى جانب ثلاثية نجيب محفوظ «بين القصرين، قصر الشوق، السكرية»، سحرتني الثلاثية، ولم أفهم شيئًا من الكتاب الأول، سألت عمّي «عزيز»، وكان شيوعيًا منظّمًا عن الكتاب، قدّم لي شرحًا مبسّطًا، لكن ذلك الشرح حفّزني لقراءة الروايات، وفي تلك المدرسة كان لدينا أساتذة قدوة في إبداعهم، مثل علي الشوك الذي كان يدرّسنا الرياضيات، ولا يبخل علينا في نصيحة أو إرشاد، وكذلك معاذ يوسف الكاتب الدرامي، ومعهم كامل حسن البصير مدرّس اللغة العربية الذي يشجّعنا على استعارة الكتب من المكتبة المدرسية، في هذه المرحلة تشكّل وعينا، وأحببنا الأدب، وصرنا نكتب مقالات بسيطة ومتابعات وعروض كتب في الصحف والمجلّات، كنّا نريد أو نحلم أن نكون مثل أساتذتنا القدوة، إلّا أنّنا كنّا بحقّ نعيش مراهقة ثقافية وفكرية.
المسرحي فاروق صبري: الفقر حرضني على ابتكار أشياء للتسلية واللعب بها مثل الكبار
نا من عائلة فقيرة جداً ولعلّ الفقر -الذي حدد سكني والاهل المتكوِّن من تسعة اشخاص في غرفة طينية صغيرة- قد حرّضني وأنا الطفل على ابتكار أشياء للتسلية واللعب وكانت من بين تلك الأشياء علبة كارتونية مستطيلة الشكل ، في طرف منها أضع «فريم» وفي الطرف الاخر من صندق الكارتون اثبت عدسة تكبير واسلطٌ عليها عبر المرآة أضواء الشمس لتظهر على حائط غرفتنا فريد شوقي في فلم (غزل البنات) ، هذه اللعبة أحببتها وجعلتني أتفنن في تغيير كارتونتي السينمائية خاصة بعد صار اخي الكبير (فائق ) يأخذني لمشاهدة الأفلام الهندية والأميركية والمصرية في دور السينما السبع الموجودة في مدينتي كركوك ، كنت أتمنى أن أكون ممثلا في احد افلامها وأقف بجانب فاتن حمامة واغازلها او اخلصها من الأشرار ارادو اختطافها ويصفق لي الجمهور.
لكن شغفي بالتمثيل كبر اكثر في مرحلة الدراسة المتوسطة ، حيث بدأ الحلم منذ درس اللغة العربية في مدرسة إمام قاسم ، وفي هذا الدرس كان استاذي يدعوني الى قراءة بعض من قصيدة «انشودة المطر» للسياب، وأسمع تصفيق زملاء الصف وصوت استاذي بقول: لابد ان تذهب الى بغداد لتدرس فن التمثيل ، وذهبت ودرست المسرح وحينما سألني صحفي بعد سنوات طويلة : كيف اخترت المسرح، قلت : وأيضاً بدر شاكر السيّاب قادني صوب التمثيل
الناقد التشكيلي صلاح عباس: كنت امتلك الحافز المعنوي للتحدي الذي يسمح لي بتمرير أفكاري
- ولدت في عائلة بسيطة وفقيرة، في منطقة شعبية تقع في قلب مدينة الحلة، تسمى الجامعين وهي من اقدم الاحياء السكنية، وشاءت الاقدار ان اتعرف على الوسط الفني والثقافي وأنا بعمر لا يتجاوز الرابعة عشر سنة، وكنت اتابع الانشطة الفنية والادبية والثقافية، وأقحمت نفسي في العمل بالاتحاد العام لطلبة العراق، الذي كان يمثل صوتا يساريا وقوة طلابية مناوئة لنظام الحكم البعثي في العراق، وكنت امتلك الحافز المعنوي للتحدي كما كنت أمتلك الاسلوب الادبي الذي يسمح لي بتمرير أفكاري عبر النشر في بعض الصحف العراقية حينذاك، مثل جريدتي الراصد والتآخي، وبعد قبولي للدراسة في معهد الفنون الجميلة ببغداد سنة 1975 ، تواصلت مع فن الرسم تخطيطا وتلوينا، ولكن إغراءات النشر في الصفحات الثقافية بدأ معي في سنة 1977، وفي انطلاقتي الاولى كان يهمني اضاءة فصول من تاريخ الفن الحلي، ولكن بالاستمرارية والتواصل وجدت نفسي في محي بيئي ومساحة تتسع لحظة بلحظة وهي واكبر من مساحة تحركي الاولى، لأنها تشمل الفنون التشكيلية العراقية المعاصرة كلها، فأخذت أنهل منها وأغترف معارفي الفنية وثقافتي التخصصية من ينابيعها الثرة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الخزاف شنيار عبد الله يثير الأسئلة في معرضه الجديد

برليناله 2026: حين تختبر السينما قدرتها على قول الحقيقة

الكاتبة (آنا هوب): رواية "ميراثنا"..احداث تجري خلف الأبواب المغلقة

قوة العمر و المدوّنة الجمالية

موسيقى الاحد: سيمفونية مالر الثالثة في بودابست

مقالات ذات صلة

ذاكرة ثقافية..جماعة
عام

ذاكرة ثقافية..جماعة "الواق واق" وجماعة "الوقت الضائع"

جمال العتّابي للجماعات الأدبية والفنية امتداد طويل في تاريخ العراق الثقافي والفني منذ تكوين الدولة العراقية وانفتاح الثقافة والفن على مصادر متنوعة من الأفكار والمفاهيم والتيارات الحديثة. اقترن ظهور العديد من الجمعيات والنوادي الثقافية...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram