جورج منصور
عندما يُحتفى بك وبكتابك الجديد (غيمري.. كدّتُ أصبح إماماً) في شارع المتنبي، أجمل بقاع بغداد، تشعر أن الكلمات التي سهرتَ عليها طويلاً قد وجدت أخيراً بيتها الطبيعي. هناك، حيث تحتضن رفوف الكتب وجوه القرّاء، وتختلط رائحة الورق بصوت دجلة الخافت، تكتسب الكتابة معنّى آخر. يتحول الجهد الفردي، هناك، إلى لحظة فرح ثقافي جماعي.
في بيت "المدى"، العامر بالكتب والثقافة والمثقفين، لم يكن الاحتفاء مجرد حفل توقيع عابر، كان بحق، بمثابة شهادة ميلاد جديدة للكتاب؛ خرج بها من عزلته ليصافح العيون والقلوب. رأيت وجوهاً أتت بدافع الشغف لا بدعوة رسمية، وأصابعاً تقلّب الصفحات بلهفة من يبحث عن كنز، وأسئلةٌ تُطرح بحبٍّ وفضول صادقين. في كل ذلك، كان يتجلى معنى أن الكتابة ليست فعلاً فردياً فحسب، بل هي علاقة حية تبنى جسورها بين الكاتب وقرّائه.
ذلك الحشد من التواقين للقراءة لم يكن جمهوراً صامتاً، كان مرآةً صافية، رأيت فيها سنوات التعب، والشكوك الصغيرة التي تراود كل كاتب في خلوته، واللحظات التي يتساءل فيها: هل تصل الحكاية؟ هل تُلامس قلب أحدهم؟ وحين ترى كتابك يحيط به هذا الاهتمام الصادق، تدرك أن كتابة السيرة ليست مجرد سرد لماضٍ شخصي، بل هي جسر يعبره الآخرون ليجدوا شيئاً من ذواتهم في حكايتك، ليكتشفوا في تفاصيلك جزءاً من تفاصيلهم.
الاحتفاء في المتنبي ليس مجاملة عابرة. إنه إشارة عميقة إلى أن للكلمة مكانتها الرفيعة، وأن أدب السيرة ما زال قادراً على إثارة الفضول، واستعادة الذاكرة الجمعية، وربط الماضي بالحاضر. هو حافزٌ قوي لأن أواصل الحفر في طبقات الذاكرة، وأن أمنح التفاصيل الصغيرة حقّها من الضوء. فلطالما أيقنتُ، بعد هذا الاحتفاء، أن ثمة من ينتظر هذه التفاصيل، ويجد فيها عزاءً أو إلهاماً، أو اعترافاً مشتركاً بالإنسان وتجربته. إنها لحظة تقول لك بكل وضوح: اكتب. واصل. فثمة شارعٌ ينبض بالكتب، وبيتٌ يحتفي بالثقافة، ومدينةٌ ما زالت تؤمن بأن السيرة الصادقة هي شكلٌ من أشكال المقاومة الجميلة للنسيان.










