ترجمة حامد أحمد
تناول تقرير لموقع فوربس (Forbes) الأميركي آفاق ومخاطر انسحاب القوات الأميركية من العراق وسوريا، في وقت تباينت فيه آراء خبراء وقادة عسكريين غربيين من أن انسحاب القوات الأميركية من سوريا قد يمهد الطريق لانسحاب أسرع من العراق، وهو أمر مخطط له بحلول نهاية عام 2026، في حين يشكك آخرون في تحقيق الانسحاب في هذا الموعد، وقد تبقى القوات الأميركية في العراق إلى ما وراء هذا التاريخ لأسباب أمنية واستراتيجية، ويعتمد ذلك على مدى حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وأشار التقرير إلى أن القوات الأميركية قد أكملت انسحابها من القاعدة العسكرية الاستراتيجية في التنف جنوب سوريا، حيث ساعدت القوات المحلية في محاربة تنظيم داعش لأكثر من عقد، وكذلك من قاعدة أخرى في شمال شرق البلاد. وتمثل هذه الخطوات أحدث مراحل إعادة تموضع القوات الأميركية ذات الحضور المحدود في سوريا تمهيدًا لانسحاب كامل محتمل. كما من المقرر أن تكمل القوات الأميركية المتبقية في العراق انسحابها بحلول شهر سبتمبر. وينقسم المحللون حول ما إذا كان ذلك يعني أن انسحابًا كاملًا للقوات الأميركية من سوريا والعراق سيتحقق فعليًا خلال هذا العام.
نافذة مفتوحة
أعلنت وزارة الدفاع السورية في بيان يوم الأحد أن «قوات الجيش العربي السوري سيطرت على قاعدة الشدادي العسكرية في ريف الحسكة بعد تنسيق مع الجانب الأميركي».
وجاء ذلك عقب إعلان القيادة المركزية الأميركية يوم الخميس أن «الانسحاب المنظم» من قاعدة التنف اكتمل في اليوم السابق، وأنه كان «جزءًا من انتقال مدروس قائم على الظروف» ضمن عمليات التحالف الدولي ضد داعش. كما أعلنت القيادة المركزية إتمام عملية نقل آلاف من معتقلي داعش من سوريا إلى العراق. وبدأت هذه المهمة في 21 يناير/ كانون الثاني، واكتملت أيضًا يوم الخميس، حيث تم نقل «أكثر من 5700 مسلح من تنظيم داعش» بشكل آمن خلال 23 يومًا. وقالت كارولين روز، مديرة ملفي «الترابط بين الجريمة والنزاع» و«الانسحابات العسكرية» في معهد نيو لاينز، إن انسحاب حامية التنف يشير إلى أن الولايات المتحدة ترى في اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية مع دمشق «نافذة مفتوحة» يمكن استغلالها للانسحاب السريع من سوريا والعراق، وهو أمر مخطط له بالفعل بحلول نهاية عام 2026. وأضافت أن إدارة ترامب، التي سعت للانسحاب من مهمة مكافحة داعش منذ ولايته الأولى في خريف 2019، ترى أن إمكانية تحقيق الاستقرار عبر اتفاق قوات سوريا الديمقراطية مع دمشق تشكل مبررًا للمغادرة، مع نقل المسؤوليات الأمنية إلى الجيش السوري الجديد.
وقال مايلز كاغينز، زميل بارز غير مقيم في معهد نيو لاينز والعقيد المتقاعد في الجيش الأميركي والمتحدث السابق باسم التحالف الدولي ضد داعش، إن «علاقة الولايات المتحدة مع سوريا ما زالت تتطور».
وأشار إلى أن الشراكة الأميركية السورية ستواصل التركيز على الأمن ومكافحة الإرهاب، مع تركيز جديد على النمو الاقتصادي والاستثمارات، خصوصًا في قطاع النفط والغاز.
تطورات التوتر الإقليمي
تأتي هذه التطورات بعد أقل من شهر على إعلان العراق استعادته السيطرة الكاملة على قاعدة عين الأسد الجوية الاستراتيجية في محافظة الأنبار. وجاءت هذه الخطوة بعد ما وصفته الحكومة العراقية بأنه «انسحاب كامل» للقوات الأميركية من جميع المنشآت العسكرية داخل الأراضي العراقية الاتحادية.
وبموجب جدول زمني انتقالي أُعلن في سبتمبر/ أيلول 2024، قالت الولايات المتحدة إنها وضعت خطة عامة لإنهاء مهمتها العسكرية في العراق على مرحلتين. وقد اكتملت المرحلة الأولى، وهي انسحاب جميع قوات التحالف من الأراضي العراقية الاتحادية بحلول سبتمبر/ أيلول 2025. أما المرحلة الثانية فتقضي بعمل القوات الأميركية انطلاقًا من إقليم كردستان العراق حتى سبتمبر 2026. وقالت روز إنه مع تقليص القوات بسرعة في شمال شرق سوريا، وانتهاء مهمة نقل المعتقلين، وتركيز القوات الأميركية في شمال العراق، فمن الممكن أن تحاول إدارة ترامب تجاوز هذا الجدول الزمني وتنفيذ انسحاب مبكر. وأضافت أن هذا الوضع قد يتفاقم إذا تولى نوري المالكي رئاسة الحكومة مجددًا، نظرًا لتاريخه المرتبط بالطائفية، وهو ما تعتبره واشنطن عاملًا قد يعزز شبكات الفصائل الشيعية التي استهدفت القوات الأميركية سابقًا وأسهمت في بدء عملية الانسحاب التدريجي.
في المقابل، يشك كاغينز بشدة في أن تغادر القوات الأميركية إقليم كردستان قبل سبتمبر/ أيلول 2026 أو حتى بعده.
وقال إن الولايات المتحدة أعلنت «نهاية القتال» و«تقليص القوات» و«نهاية التحالف» في العراق مرارًا، وغالبًا لأغراض سياسية. وأضاف أنه مع انتقال الولايات المتحدة إلى علاقة أمنية ثنائية مع العراق، فمن المرجح أن يستمر وجود القوات الأميركية بعد عام 2026، لأنه يدعم أهداف الأمن والطاقة ضمن سياسة «أميركا أولًا»، إضافة إلى توفير الدعم التقني والاستشاري لقوات الأمن العراقية. ويتوقع المحلل السياسي العراقي لاوك غفوري أن تحدد «ديناميات التصعيد الإقليمي» مدة بقاء القوات الأميركية في العراق أكثر من هوية رئيس الوزراء القادم.
وقال إن الوجود الأميركي في العراق مرتبط مباشرة بالمواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. فإذا تصاعدت التوترات، ستصبح القواعد الأميركية عرضة لتهديدات الصواريخ الباليستية الإيرانية وهجمات الفصائل المسلحة. أما إذا تم التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران، فسوف تنخفض حدة التوتر والمخاطر. وإذا فشلت الدبلوماسية، فقد يصبح التصعيد هو السيناريو المرجح، مع عودة الفصائل المدعومة من إيران إلى الضغط على القوات الأميركية.
معايير جيوسياسية
ترى الخبيرة روز أن تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤثر في جدول الانسحاب الأميركي المتوقع. وقالت إن المواجهة مع إيران أربكت الخطط الأميركية لتقليص وجودها العسكري بسرعة في الشرق الأوسط. وكان ضعف حزب الله في لبنان نتيجة الهجمات الإسرائيلية، والاستقرار النسبي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد المفاجئ، يُنظر إليهما على أنهما فرصة لبدء تقليص الوجود الأميركي، حيث لم يعد يُنظر إلى الردع ضد الوكلاء المدعومين من إيران باعتباره ضرورة.
لكنها أضافت أن التوترات مع إيران وسعي إدارة ترامب لزيادة الضغط عبر نشر السفن الحربية وتعزيز القوات والتهديد بضربات عسكرية قد تؤخر أو حتى تعكس هذه الاستراتيجية.
وعلى المدى الطويل، يتوقع غفوري أن يؤدي أي انسحاب أميركي كامل من العراق إلى إضعاف بغداد بشكل هيكلي.
وقال إن ذلك سيقلل قدرة العراق على تحقيق توازن استراتيجي مع طهران، ويزيد في الوقت نفسه من تعرضه لتهديدات أمنية قادمة من سوريا. وأضاف أن العراق قد يجد نفسه محاصرًا بين ضغط النفوذ الإيراني من جهة وعدم الاستقرار الأمني من جهة أخرى، مع تراجع قدرته على الردع وغياب الحواجز الخارجية التي تساعده في إدارة هذه التحديات.
وختم بالقول إن الانسحاب ليس مجرد قرار عسكري، بل هو إعادة تشكيل جيوسياسي قد يترك العراق مكشوفًا عند أكثر نقاط ضعفه الاستراتيجية.
عن Forbes










