د.كاظم المقدادي
في ظل التحديات المتفاقمة التي تواجه حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتعرض المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرنشيسكا ألبنيزي، لحملة عدائية سافرة جديدة وسط الهجمات السياسية الإسرائيلية الأمريكية الممنهجة، تستهدف نزاهتها المهنية وموقفها المستقل ،ضمن المهمة الأممية الموكلة لها.
ويكر،أنه في اَيار 2022 عين مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الحقوقية الإيطالية فرانشيسكا البانيزي مقررة خاصة للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنحها مدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد لمدة ثلاث سنوات أخرى.وتم تمديد ولايتها حتى عام 2028. وضمن هذا المنصب يحق للمقرر الخاص إجراء دراسات، وزيارة بلدان محددة، ومقابلة الضحايا، وإطلاق مناشدات محددة، وتقديم تقارير وتوصيات بشأنها الى الأمم المتحدة ومجلس حقوقها.
ولم يتم تعيينها إعتباطاً، وإنما عن جدارة وإستحقاق مهني. فهي حاصلة على شهادة في القانون مع مرتبة الشرف من جامعة بيزا، وماجستير في حقوق الإنسان من مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية في لندن، ونالت الدكتوراه في القانون الدولي للاجئين في كلية الحقوق في جامعة أمستردام. كما تُعد باحثة منتسبة في معهد دراسة الهجرة الدولية بجامعة جورجتاون، ومستشارة أولى بشأن الهجرة والتهجير القسري في مؤسسة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية، وزميلة أبحاث في المعهد الدولي للدراسات الاجتماعية بجامعة إيراسموس روتردام. وعملت لمدة 10 سنوات كخبير في حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، بما في ذلك مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.
فرانشيسكا ألبانيزي هي أول امرأة تشغل هذا المنصب الدولي المهم.وقد برزت كصوت قوي يدفاعها الصريح عن حقوق الشعب الفلسطيني، وعرت بمهنية عالية ما يتعرض له من جرائم مدانة من قبل الحكومة الإسرائيلية وأعوانها، وفي مقدمتهم الإدارة الأمريكية،وحكومات أوربية بارزة، مسلطة الضوء على الإبادة الجماعية للفلسطينيين، بالقصف وإستخدم أحدث أسلحة الفتك والدمار، في وقت “لا يُعدُ” بِعُرف الحكومات الغربية الداعمة لحكومة المجرم الصهيوني الفاشي نتنياهو إبادة جماعية كل ما شاهده الملايين من البشر على شاشات التلفزيون، وأثناء النقل الحي، من جرائم بشعة، وبلغ ذلك حد إنكار جرائم الإبادة الجماعية في غزة، وعدم الإعتراف بما إرتكبه ويرتكبه جيش الإحتلال الصهيوني يومياً من مجازر بشعة بحق الأبرياء، الذين بلغ عددهم أكثر من 69 ألف قتيل، أغلبهم من الأطفال، أضافة لإصابة أكثر من 172 ألف مدنياً، إصابات غالبيتهم بليغة.وقد تم تدمير غزة بالكامل ويُقدر عدد المدنيين تحت أنقاض القصف الوحشي بنحو 10 اَلاف مدنياً.، معظمهم أطفال صغار. وعدا القتل الوحشي المباشر، يستخدم المحتل الصهيوني أساليب التهجير القسري،الذي طال أكثر من مليون مدنياً،وهم يعيشون في العراء، وحرمان اَلاف الأحياء من سكنهم، ومن الكهرباء، والغذاء والماء،والدواء.وبلغت همجية المجازر البربرية والإبادة الجماعية والتطهير العرقي حد قصف المستشفيات وقتل المئات من المرضى والجرحى،وقصف قوافل سيارات الأسعاف والمدارس ،ومراكز الأيواء، والكنائس، والمساجد، وحتى المدنيين العزل في الشوارع الهاربين من جحيم القصف العشوائي..
وكل هذه الجرائم تجاهلتها الحكومات الغربية، وتجاهلت أيضاً الحكم المؤقت لـ (مجكمة العدل الدولية) في كانون الثاني 2024،التي وجدت إرتكاب إسرائيل أعمال الإبادة الجماعية. وأمرت حكومتها بمراعاة التزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية من خلال اتخاذ جميع التدابير التي في حدود سلطتها لمنع ارتكاب هذه الأعمال، ومعاقبة التحريض على الإبادة الجماعية، والسماح بدخول الخدمات الإنسانية الأساسية.. مثلما تجاهلت إصدار (المحكمة الجنائية الدولية( في تشرين الثاني 2024 مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، متهمة إياخما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وبموازاة كل هذا قامت الإدارة الأمريكية وربيبتها حكومة نتنياهو الصهيونية، وصمت وتعامي الحكومات الغربية، بتهديدات وضغوط سافرة وفرض العقوبات على المقررة الأممية البانيزي، إبتدأتها الإدارة الأمريكية للرئيس المختل عقليا بايدن،وواصلتها إدارة إدارة الأرعن والمستهتر ترامب، التي فرضت عليها العقوبات أسوة بالعقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية،وطلبها من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إقالة ألبانيزي، متهمة إياها بـ “معاداة السامية”، بينما هي في الحقيقة والواقع عقابًا لها على قول الحقيقة، وبسبب سعيها لحثّ المحكمة الجنائية الدولية على اتخاذ إجراءات ضد الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية لانتهاكهما القوانين الدولية خلال إبادة غزة.وقد كشف تقري لألبانيزي عن تورط شركات عالمية كبرى في تمويل العمليات العسكرية في غزة أو الاستفادة منها اقتصادياً.
وكشفت العقوبات المفروضة على البانيزي والمحكمة الجنائية الدوليةعن توجه واشنطن للإطاحة بأي مؤسسة دولية قد تضع قيوداً على حرية التحرك العسكري لحلفائها.وعتبر خبراء في القانون الدولي الإدارة الأمريكية كمجرمة حرب- ، وذلك لدعمها السافر لحكومة مجرم الحرب الصهيوني الفاشي نتنياهو عسكرياً، وتزويدها بكل أنواع الأسلحة الفتاكة حتى المحرمة دوليا، وإستخامها ضد المدنيين والأطفال، ولشل المساعي الدولية لأيقاف المجازر الإسرائلية الهمجية اليومية في غزة.وهذا ما فعلته في إجتماعات مجلس الأمن الدولي، مستخدمة حق النقض/ الفيتو.
وإعتبرت الأمم المتحدة قرار واشنطن فرض عقوبات أحادية الجانب ضد المقررين الخاصين، أو أي خبير أو مسؤول آخر في الأمم المتحدة، يعد سابقة خطيرة، وهو أمر غير مقبول وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك إن فرانشيسكا ألبانيزي- شأنها شأن جميع مقرري الأمم المتحدة الخاصين الآخرين المعنيين بحقوق الإنسان- هي خبيرة أممية مستقلة في مجال حقوق الإنسان، تم تعيينها من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وتقدم تقاريرها إليه.
منذ أول يوم لإستلام البانيزي لمهمتها لم تتوقف الحملات العدائية ضدها، الى جانب التهديدات والضغوط الرامية لتقويض القانون الدولي، خاصة فيما يتعلق بتوثيق الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. ورغم كل ذلك ضلت ملتزمة بمهمتها الأممية وفقاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، مما جعلها نموذجًا للشجاعة والاحترافية.
الحملة العدائية الجديدة إعتمدت على تشوية متعمد صهيوني أمريكي لمداخلة مسجلة، قدمتها ألبانيزي قبل أيام في منتدى الجزيرة الدولي بالدوحة، حيث تم اجتزاء كلماتها لتصويرها كخطاب كراهية.وإنضمت للحملة الجديدة حكومات أوربية. وبدأت خيوط التحريض في فرنسا عبر تحركات برلمانية قادتها النائبة كارولين يادان، المعروفة بمواقفها اداعمة لتل أبيب، حيث روجت لفيديو مجتزأ يظهر ألبانيزي وهي تتحدث عن ‘عدو الإنسانية’. ورغم أن السياق الأصلي للحديث كان يتناول النظام العالمي الذي يغلب المصالح الاقتصادية على الحقوق، إلا أن الترويج المضلل دفع بوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو للمطالبة بإقالة البانيزي. وقد أثار هذا الموقف انتقادات واسعة نظراً لعدم استناد الوزير إلى تقارير دقيقة قبل إطلاق تصريحاته الرسمية.ولم تقتصر الضغوط على باريس، بل امتدت لتشمل وزراء خارجية ألمانيا وهنغاريا وجمهورية التشيك والنمسا، الذين انضموا إلى جوقة المطالبين برحيل المقررة الأممية.
ويأتي هذا التصعيد رغم قيام وسائل إعلام فرنسية ودولية بنشر تكذيبات رسمية للمعلومات المنسوبة لألبانيزي، واعتراف الخارجية الفرنسية بوقوع ‘تحوير’ في المحتوى. وتعكس هذه التحركات رغبة سياسية في إسكات الأصوات الحقوقية التي نجحت في استقطاب تعاطف ملايين الطلاب والناشطين في الغرب.
الحكومات الداعمة لإسرائيل والصامتة تجاه جرائمها تبرر ما تقوم به حكومة مجرم الحرب نتنياهو “دفاعاً عن النفس”،والتي تخطت كل الخطوط الدولية الحمراء.رغم علمها جيداًً ان المحتل لا يحق له الدفاع عن نفسه- وفق القانون الدولي..
فتباً للمواقف المزدوجة المخزية، وللتحيز السافر الى جانب جرائم الحكومة الإسرائيلة الفاشية. وستبقى لطخة عار في جبين أصحابها، وسيحاسبهم التأريخ بإعتبارهم داعمين لمجرمي حرب ومجرمين ضد الإنسانية، ساعدوهم بشكل مباشر وغير مباشر في إرتكاب أفضع المجازر بحق مدنيي غزة العزل والأبرياء !









