ترجمة : عدوية الهلالي
بدأ عرض فيلم «رحلات تيريزا» للمخرج البرازيلي غابرييل ماسكارو في الصالات العالمية في 11 شباط الجاري . وتدور أحداث هذا الفيلم الروائي في المستقبل القريب، ويروي قصة تيريزا (دينيس واينبرغ)، وهي امرأة سبعينية متمردة، مصممة على تحقيق حلمها والقيام برحلة أخيرة عبر البلاد قبل أن تُوضع تحت الوصاية وتُرسل قسرًا إلى «دار رعاية المسنين».
عاشت تيريزا حياتها كلها في بلدة صناعية صغيرة في الأمازون. وفي أحد الأيام، تلقت أمرًا رسميًا من الحكومة بالانتقال إلى مستعمرة معزولة لكبار السن، حيث يُفترض بهم أن «يستمتعوا» بسنواتهم الأخيرة. رفضت تيريزا هذا المصير المفروض عليها، وقررت الانطلاق بمفردها في مغامرة لاكتشاف بلدها وتحقيق حلمها السري...
يبلغ عمر تيريزا 77 عامًا. ومع ذلك، يحمل فيلم المخرج غابرييل ماسكارو الروائي جميع سمات قصة النضج. إذ تُبرز الفكرة قوة المرأة السبعينية، التي تتنقل برشاقة على ألواح خشبية ضيقة وتقطع أميالًا سيرًا على الأقدام، وفي الوقت نفسه، تُصوّر افتقارها المزعوم للاستقلالية لمجرد تقدمها في السن. والنتيجة هي تحويلها إلى طفلة صغيرة، تُجبر على ارتداء حفاضة . وباختزالها إلى مجرد رقم، إلى هوية رقمية حرفيًا، تُجرّد من كل ما يجعلها إنسانة، بدءًا من حلمها، الذي يبدو تحقيقه قاتمًا ومُحزنًا. قبل إرسالها إلى مستعمرة،و كل ما تريده تيريزا هو ركوب طائرة، أي طائرة، لرحلة ذهابًا وإيابًا.
لكن هذا المسعى في حد ذاته هو تنازل، وأمنية أخيرة لـ”محكوم عليها بالإعدام”. لأن هذا تحديدًا ما يتوقعه المجتمع منها: أن تموت سريعًا، وقبل كل شيء، بعيدًا عن الأنظار. لذا، لا يهم إن كانت ستستقل تلك الطائرة الخفيفة أم لا، لأن ما تُقدم عليه هو نوع مختلف تمامًا من الرحلة، رحلة مجازية وخالدة.
ومنذ اللحظة التي قررت فيها “الهروب”، تعيد تيريزا، بشكل رمزي، رسم مسار حياتها، أو بالأحرى، تجربة حياة مشتركة. ومع كل لقاء، تتشكل ديناميكية خاصة، تعكس مراحل أساسية من الوجود. فمع كادو (الممثل الرائع رودريغو سانتورو)، تنشأ علاقة أمومية، بينما علاقتها مع لوديمير أقرب إلى علاقة زوجين غير سعيدين.
ومع هذا التحرر، تنعكس هذه الطاقة المتجددة بوضوح في مظهرها ووجهها، الذي نراه في البداية مشدوداً ككعكة شعرها، ثم يسترخي تدريجياً، بشعر أبيض ناعم يكاد يُشبه الأشقر البلاتيني. ثمة شيءٌ رقيقٌ ومنعشٌ في طريقة تصوير جسد هذه المرأة، لا ككائنٍ مُعذّب، بل على العكس، كمصدرٍ لا ينضب من الطاقة، دون محاولةٍ لمحو آثار الزمن.
ويكمن جمال الفيلم في مناظره الطبيعية وتصويره الهادئ، كما يكمن في رسالته: عدم حصر الشيخوخة في الماضي - فنحن لا نعرف الكثير عن ماضي تيريزا - وعدم سجن هذه المرأة في ذكرياتها، بل تسليط الضوء على مستقبلها، على السنوات، والمغامرات التي لم تعشها بعد، والدروس التي لا تزال بحاجة إلى تعلمها. لذا، لا مجال للنظر إلى الماضي.
تدور أحداث فيلم “رحلات تيريزا” في مستقبل بائس وقريب جدًا. ويكشف السيناريو، الذي شارك في كتابته غابرييل ماسكارو وتيبيريو أزول وموريلو هاوزر، بأسلوبٍ خفيّ عن هذه الخلفية من التلوث، والمعتقدات الفاسدة، والإصلاحات الجذرية لأنظمة التقاعد. وتكمن وراء كل ذلك، إذن، الرأسمالية، وأضرارها البيئية، وآثارها اللاإنسانية. فلم يعد الناس بشرًا، بل مجرد عمالة زائلة.
لذا، بطبيعة الحال، في هذا العالم، يُعدّ التقدّم في السن أسوأ من غرق سفينة: إنه جريمة بكل معنى الكلمة. ويُباح كل شيء لاحتواء هذه الجريمة، بدءًا من التنديد، والمراقبة المستمرة (مع التنميط العنصري الممنهج)، والمخبرين السريين، و”عربات المسنين” التي تُشبه الزنازين المتنقلة.
ولا يملك المواطنون في الفيلم، ولا المشاهدون، أي فكرة عن هذه المستعمرات لكبار السن، التي تُشبه دور رعاية المسنين في السجون. وبشكل أعم، ومن خلال إهمال كبار السن، وتحديد “تاريخ انتهاء صلاحية” للأفراد، والتضحية بالطبيعة على مذبح الربح، تُصبح رحلات تيريزا انعكاسًا لمجتمع نسي الماضي، وتخلى عن الحاضر، وأنكر المستقبل. وفي الوقت نفسه، يُعلن بنفاق أن “المستقبل ملك للجميع” وأن كل مسنّ هو “ثروة وطنية حية”، بالطبع.
إنها ليست مسألة عمرية في الحقيقة، بل مسألة وسائل وطبقة اجتماعية، إذ من الممكن شراء الحرية، وبالتالي تسليع الاستبداد، وإلقاء عبء مسؤوليات الأمة وإخفاقاتها على أضعف أفرادها، الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و77 عامًا حيث تهرب العجوز من استبداد نظامٍ يتستر، تحت ذريعة حماية كبار السن، بحملة اضطهادٍ شرسة ضد كل من يشبههم ولو قليلاً. ويجد المخرج غابرييل ماسكارو في هذا الموقف المأساوي لمسةً فكاهية، واضعاً بطلته في قلب نظامٍ لا يُمكن فيه فعل أي شيء دون إبراز الهوية. وبهذا المعنى، يُقدّم استعارةً بارعةً للآلة الديكتاتورية التي لم تتحرر منها البرازيل تماماً بعد. وتُصبح تيريزا، بالتالي، بطلةً عاديةً للمقاومة ضد النظام القائم، لا سيما عندما تُنتهك حقوق الإنسان بشكلٍ صارخ.
فيلم (رحلات تيريزا).. مغامرة عجوز متمردة على قوانين محاربة الشيخوخة

نشر في: 19 فبراير, 2026: 12:01 ص








