متابعة/المدى
تتأرجح المنطقة بين مسار تفاوضي وآخر تصعيدي، عقب جولتين من المفاوضات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة؛ الأولى عُقدت في مسقط، والثانية في جنيف بتاريخ 17 شباط/فبراير 2026.
ووصفت الجولة الأولى بأنها تمهيدية لكسر الجمود الذي أعقب هجمات أميركية وإسرائيلية سابقة، فيما بدت جولة جنيف أكثر تعقيداً، مع مشاركة المدير العام لـالوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، وحضور غير مباشر للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
المحلل السياسي الإيراني علي أكبر برزوني اعتبر أن “جميع الخيارات واردة، لكن احتمال التوصل إلى اتفاق يبقى الأكبر”، مشيراً إلى أن طهران طرحت حزمة مقترحات تتضمن رفع العقوبات وتقديم حوافز استثمارية في قطاعي النفط والغاز.
وأكد أن لقاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع غروسي شدد على حق إيران في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية وفق معاهدة عدم الانتشار، مع رفض إدراج البرنامج الصاروخي أو النفوذ الإقليمي ضمن جدول التفاوض.
ورغم وصف طهران للمحادثات بأنها “جيدة وإيجابية”، صدرت عن واشنطن إشارات متباينة، إذ اعتُبرت المقترحات الإيرانية غير كافية لتلبية مطالب ترامب، الذي رفع سقف شروطه لتشمل وقف التخصيب، وإخراج المخزون المخصب، إضافة إلى ملفات الصواريخ والدعم الإقليمي.
تزامناً مع المفاوضات، أجرت إيران مناورات بحرية في مضيق هرمز وفرضت قيوداً مؤقتة على حركة السفن، في رسالة اعتبرها مراقبون تصعيدية. ونُقل عن المرشد الأعلى علي خامنئي قوله إن السفن الحربية الأميركية “خطيرة، لكن الأخطر منها هو السلاح القادر على إغراقها”.
في المقابل، كشفت تقارير عن نقل أكثر من 50 مقاتلة أميركية حديثة، بينها طائرات شبح من طراز F-35 وF-22، إلى المنطقة، إضافة إلى توسيع الانتشار البحري ليشمل حاملتي طائرات وعشرات القطع البحرية.
ويرى برزوني أن هذه التحركات تعكس “انعدام الثقة المتبادل”، لكنها لا تعني حتمية الحرب، مشدداً على أن دول المنطقة تبذل جهوداً لمنع انفجار إقليمي ستكون كلفته باهظة.
على النقيض من التفاؤل الإيراني الحذر، اعتبر مدير مركز JSM للأبحاث في موسكو آصف ملحم أن “موعد الضربة الأميركية اقترب بشكل كبير”، مشيراً إلى تحشيد عسكري واسع خلال اليومين الماضيين، وتراجع هامش المناورة الإيراني.
كما رأى الخبير في العلاقات الدولية أشرف عكة أن المنطقة باتت “أمام حرب مفتوحة وشيكة”، مستنداً إلى طبيعة الحشد الأميركي والتأهب الإسرائيلي، مرجحاً أن الهدف قد يتجاوز الاتفاق النووي إلى إضعاف النظام الإيراني نفسه.
في خضم هذا التصعيد، جدّد رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي التأكيد أن “لا يمكن لأي بلد أن يحرم طهران من حقها في تخصيب اليورانيوم”، معتبراً أن التخصيب يمثل أساس الصناعة النووية، وأن البرنامج الإيراني يتقدم وفق قواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ونفى إسلامي طرح مسألة إخراج اليورانيوم من إيران ضمن جدول أعمال المفاوضات، معلناً قرب الكشف عن نحو 20 إنجازاً نووياً إضافياً.
المشهد الراهن ينقسم بين مسارين متوازيين: مسار تفاوضي تسعى فيه واشنطن إلى اتفاق جديد عبر سياسة الضغط الأقصى، مقابل مسار تصعيدي يتجسد في الحشود العسكرية الأميركية والمناورات الإيرانية والضغط الإسرائيلي.
وبرغم ارتفاع حدة الخطاب العسكري، يرى بعض المحللين أن منطق المصالح قد يدفع الطرفين نحو اتفاق مرحلي يجمد التخصيب مقابل تخفيف محدود للعقوبات. لكن آخرين يحذرون من أن نافذة الدبلوماسية تضيق سريعاً، وأن الأسابيع المقبلة قد تشكل نقطة تحول حاسمة، إما باتفاق يعيد ترتيب التوازنات، أو بمواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود الإقليم.










