بغداد / ستار كريم
مع حلول شهر رمضان، تشهد بغداد تحوّلاً ملحوظاً في إيقاعها اليومي، إذ تمتد الحركة إلى ساعات متأخرة من الليل في عدد من مناطقها الحيوية، في مشهد يعكس تغيراً اجتماعياً واضحاً، ويطرح في الوقت نفسه تحديات تنظيمية وأمنية تتطلب معالجات عملية ومتدرجة.
وعموما تعيش بغداد ليالي مختلفة عمّا عرفته لسنوات طويلة، بعدما اتسعت الحركة المسائية من الأسواق الشعبية إلى المقاهي والمراكز الترفيهية.
ويعكس هذا المشهد تحوّلاً اجتماعياً، لكنه يكشف أيضاً عن تحديات أمنية وخدمية متراكمة تحتاج إلى تنظيم وإدارة حازمة. فالمسألة لا ترتبط بانتعاش اقتصادي شامل، بل بتغير نمط الحياة تحت ضغط الواقع اليومي، في مدينة تحاول الموازنة بين الحيوية والانضباط. في مناطق الكرادة والمنصور وشارع المتنبي، تتزايد أعداد المرتادين مع ساعات المساء. شباب يبحثون عن متنفس بعد يوم عمل طويل، وعائلات تفضّل الخروج ليلاً هرباً من حرارة النهار وضغط الزحام الصباحي. المقاهي تملأ الأرصفة، والمطاعم تمتد بطاولاتها إلى الخارج، وأضواء المحال تضفي حيوية على الشوارع. غير أن هذا النشاط يصطدم بعقبات تنظيمية، أبرزها الازدحام المروري، والركن العشوائي، والتجاوز على الأرصفة، ما يخلق فوضى تنعكس سلباً على الجميع.
يقول أحد أصحاب المقاهي في الكرادة إن الحركة الليلية رفعت حجم المبيعات، خصوصاً في عطلات نهاية الأسبوع: «لكن غياب التنظيم الواضح يسبب لنا مشكلات، فالسيارات المركونة عشوائياً تعرقل الزبائن، وأحياناً تتحول الشوارع إلى ممرات ضيقة بالكاد تستوعب حركة السير». وفي سوق الشورجة، تؤكد بائعة أن الليل أصبح وقتاً مفضلاً للتسوق بعد انتهاء الدوام الرسمي، «إلا أن الأزقة تضيق بالمارة بسبب البسطات والتجاوزات، ما يجعل الحركة مرهقة».
ويقرأ الباحث الاجتماعي علاء الدين محمود هذا التحول بوصفه انعكاساً لتغير أنماط الحياة في العاصمة، قائلاً: «الشباب باتوا أكثر ميلاً إلى الأنشطة الاجتماعية والثقافية في المساء، والعائلات تحاول استثمار الوقت الليلي كمساحة آمنة نسبياً للتواصل والترفيه». ويحذر من أن «غياب التخطيط الحضري المنظم قد يحوّل هذه الحيوية إلى عبء يومي، فأي توسع في النشاط الليلي يجب أن يقابله تطوير في البنية التحتية والخدمات». اقتصادياً، لا تعكس كثافة الحركة انتعاشاً شاملاً. ويوضح الخبير الاقتصادي حيدر الشيخ: «النشاط الليلي يوفر دخلاً إضافياً لفئات من العاملين في قطاعات المقاهي والمطاعم والبيع بالتجزئة، لكنه لا يعني وجود انتعاش اقتصادي حقيقي، إذ إن الاقتصاد المحلي ما يزال يواجه تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف القدرة الشرائية، والبطالة المقنّعة». ويضيف أن «تنشيط الأسواق ليلاً لا يعالج المشكلات الهيكلية، بل يمنح متنفساً محدوداً لبعض الأنشطة، وهو أمر إيجابي لكنه ليس تحولاً اقتصادياً شاملاً».
من جانبها، تؤكد أمانة بغداد أنها بدأت خطوات عملية لتنظيم المشهد. ويقول المتحدث باسم الأمانة عدي الجنديل: «حملات رفع التجاوزات مستمرة، مع فرض غرامات على من يغلق الطرق أو يعيق حركة المواطنين، فضلاً عن فتح عدد من الشوارع المغلقة وإعادة تأهيل الأرصفة لضمان انسيابية الحركة». ويشير إلى أن «الأمانة لا تستهدف أصحاب الدخل اليومي ما دام نشاطهم لا يضر بالمصلحة العامة، وأن معالجة الفوضى المتراكمة منذ سنوات تحتاج إلى تدرج وتعاون مجتمعي».
في الجانب المروري، يؤكد المتحدث باسم مديرية المرور العامة، العقيد حيدر شاكر، أن المناطق التجارية والمراكز الترفيهية تشهد كثافة عالية، ما دفع المديرية إلى وضع خطة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والكاميرات الذكية لمراقبة المناطق وتنظيم السير. ويقول: «توجيهات مدير المرور العام تقضي بالتركيز على هذه الأماكن، وضمان انسيابية عالية لحركة السير، بما يعزز سلامة المواطنين ويحد من الازدحامات».
أمنياً، يشير قائد عمليات بغداد، الفريق الركن وليد التميمي، إلى أن «العاصمة تشهد استقراراً ملحوظاً بفضل التغطية الواسعة بالكاميرات الذكية، التي أسهمت في كشف الجرائم وملاحقة المتهمين». ويؤكد أن «هذه المنظومة بعثت رسالة واضحة مفادها أن القوات الأمنية قادرة على فرض القانون في جميع مناطق بغداد، مع وجود خطط لتوسيع الشبكة خلال المرحلة المقبلة».
غير أن هذا الاستقرار لا يلغي التحديات. فالمحلل الأمني ناصر الكناني يحذر من الركون إلى الشعور العام بالأمان، موضحاً: «التهديدات لم تعد تأخذ شكل التفجيرات الواسعة كما في السابق، بل تتمثل في قضايا السلاح المنفلت، والنزاعات العشائرية، والجريمة المنظمة. الأمن الحقيقي يقاس بمدى شعور المواطن بالحماية من الابتزاز والتعدي، لا بمجرد غياب الحوادث الكبرى».
ويلقي تأخر تشكيل الحكومة بظلاله على المشهدين الأمني والسياسي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قرارات حاسمة تعزز الاستقرار وتواجه التحديات المتراكمة. وفي هذا السياق، يقول السياسي حيدر الملا: «العراق يمر بمرحلة دقيقة تتداخل فيها التعقيدات الداخلية مع التطورات الإقليمية، ما يتطلب حكومة قوية تمتلك رؤية واضحة وقدرة على الحسم، لا سيما في الملفات الأمنية والاقتصادية». ويشير إلى أن «الاستقرار النسبي الذي تشهده بغداد يبقى بحاجة إلى مظلة سياسية متماسكة تحميه من أي اهتزازات محتملة».









