TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

نشر في: 22 فبراير, 2026: 12:02 ص

سعد سلوم - بسام القوتلي

كعراقيين وسوريين، ندرك اليوم أننا لا نعيش حاضرنا بقدر ما نعيش ارتدادات قرن كامل من الافتراق الجوهري. فالمسألة السورية في الوعي السياسي العراقي، ونظيرتها العراقية في الوعي السياسي السوري، كانت قصة صراع على الهوية والزعامة بدأ منذ لحظة الانكسار التاريخي عام 1920.
حين سقطت مملكة فيصل الأول في دمشق في تموز 1920 إثر معركة ميسلون، وعاد الضباط الشريفيون إلى بغداد محملين بمرارة الانكسار وطموح التعويض في الدولة العراقية الناشئة، تشظى حلم الوحدة بين رؤيتين متناقضتين: رافدينية وشامية.
وترك فشل محاولات التقارب والوحدة في الأربعينيات والخمسينيات، سواء تلك التي انطلقت من بغداد كمشروع الهلال الخصيب (1943) والاتحاد العربي (1958)، أو تلك التي انطلقت من دمشق وقادها الجناح الحلبي في الكتلة الوطنية والتي تحول لاحقاً إلى حزب الشعب حالة من الشك المتبادل بيننا، فبدلا من أن تكون الحدود والموقع الجغرافي وسيلة للتعاون، تحولت إلى مصدر للقلق والخوف، حيث أصبح كل طرف يخشى أن يسيطر عليه الطرف الآخر أو يتدخل في شؤونه الخاصة.
حتى حين توحدت الرايات الأيديولوجية مع وصول حزب البعث للسلطة في كلا البلدين عام 1963، لم يزدنا التشابه إلا قطيعة، فصرنا إخوة أعداء يتنافسون على حق التفسير وشرعية القيادة، لاسيما بعد الانقسام التاريخي بين قطبي الحزب (بغداد ودمشق) عام 1966، وهي المنافسة التي بلغت ذروتها حين استلام كل من صدام حسين وحافظ الأسد القيادة، ومن ثم دخول العراق في الحرب مع إيران 1980-1988 واختيار دمشق الوقوف مع إيران ضد بغداد ومن ثم إغلاق الحدود بين البلدين، مما كرس هوة الارتياب على مستوى القيادات والغربة بين الشعوب.
إن هذا الافتراق الجوهري الذي أسست له أحداث عام 1920 تحول بمرور العقود إلى عقيدة سياسية مشحونة غذت صراع السرديات بين العاصمتين. لقد حكمت الجغرافيا على بلدينا أن يعيشا تجربة مريرة كأخوة أعداء، حيث تكسرت كل مشاريع الوحدة والعمل المشترك على صخرة التنافس المحموم حول مركزية القيادة. كان السؤال المحوري الذي عطل بوصلة التكامل طويلا هو: لمن تكون المرجعية؟ هل لدمشق التي تمثل أثينا العرب برمزيتها الثقافية ودورها كمطبخ للأيديولوجيا؟ أم لبغداد التي تمثل بروسيا العرب بسطوة مواردها ومركزية قوتها العسكرية؟
هذا التنافس الذي استنزف طاقاتنا، هو ما يدفعنا اليوم (ككُتّاب لهذا المقال من بغداد ودمشق) إلى إعلان القطيعة مع حقبة نرجسية القادة والولاءات الضيقة، لنعلن انحيازنا التام للمدرسة الواقعية البراغماتية. إننا ندرك يقينا أن المسألة السورية لم تعد قابلة للتأجيل أو المراقبة من وراء الحدود، فاستقرار دمشق هو صمام الأمان الوحيد لسلامة البيت العراقي، وقوة بغداد هي السند الاستراتيجي لبقاء الدولة السورية وتماسكها.
إننا أمام منعطف تاريخي يفرض علينا تجاوز عقدة المرجعية التاريخية لصالح مصلحة البقاء، وتحويل التشابك القسري الذي فرضته نيران الحروب إلى شراكة تضمن بقاءنا معا في جغرافيا شرسة لا تحترم الضعفاء ولا تعترف بالمنقسمين.
هذا التنافس المحموم بين دمشق وبغداد حوّل المشرق العربي إلى ساحة مواجهة تُدار بالهواجس والدسائس، مما أضاع علينا فرصا تاريخية للتكامل التدريجي الذي كان كفيلا بتحصين المنطقة أمام العواصف. ومع ذلك، جاءت تحولات القرن الحادي والعشرين لتعيد صياغة هذه العلاقة، فالغزو الأميركي عام 2003 غير وجه العراق وهويته السياسية، ومن بعده جاء إعصار داعش في 2014 الذي اجتاح الحدود والسيادة، أثبتا لنا زيف الحدود السياسية أمام وحدة التهديدات الوجودية. لقد اكتشفنا في خضم النيران أن الدم الذي سال في الموصل والرقة كان ينزف من الجسد ذاته.
إن نيران الحرب لم تحرق الأوهام الأيديولوجية فحسب، بل كشفت عن حقيقة أن أمن بغداد لا يمكن أن يُصنع في معزل عن استقرار دمشق، وإن أي تصدع في جدران أحد البيتَين سيهدم سقف الآخر حتما، وأن التدخلات الخارجية في أي من البلدين ستخترق البلد الأخر. إن الانتقال من نرجسية الزعامة إلى شراكة البقاء ليس خيارا دبلوماسياً نملكه، بل هو الطريق الوحيد والاضطراري لتجاوز قرن كامل من التيه الاستراتيجي.
ينبغي أن يقودنا حوار يجمع النخب العراقية والسورية بالضرورة إلى تجاوز سيولة السرديات السياسية نحو صخرة المصالح الصلبة، حيث ننتقل من حالة تكامل الفوضى الخلاقة التي سادت لسنوات كقدر جغرافي فرضته السياسات الدولية، إلى تكامل المنفعة كخيار استراتيجي مدروس وممنهج. فإذا كان التاريخ قد سجل تنافسنا العقيم على حق التفسير وأوهام الزعامة، فإن الجغرافيا اليوم تضعنا أمام معادلة الاعتماد المتبادل التي لا تقبل القسمة على اثنين، ولا تحتمل ترف الانفراد بالقرار.
فمن المنظور العراقي، لم يعد استقرار سوريا مجرد رغبة دبلوماسية أو انحيازا سياسيا لطرف على حساب آخر، بل هو ضرورة حيوية لفك عقدة الاختناق الجغرافي المزمنة. إننا في بغداد نرى في سوريا الرئة الطبيعية والمنفذ الاستراتيجي الوحيد نحو المتوسط الذي يكسر حصار الجغرافية وتعقيدات الجوار الإقليمي. وبدون استقرار هذا الممر واستعادة حيويته، ستظل حدودنا ثقبا أسود لا يستنزف الموارد البشرية والمالية فحسب، بل يبتلع أحلام التنمية المستدامة، ويجعل من مشاريعنا الاستراتيجية، وعلى رأسها مشروع طريق التنمية، مسارا يتيما يتجه شمالا فقط، بينما يطمح العراق لأن يكون له امتداد غربي حيوي يربطه مباشرة بموانئ المتوسط وأسواق أوروبا، وبدون هذا الربط، سيبدو مشروعنا التنموي كجسد فقد أطرافه، وبات مقطوعاً عن امتداده الطبيعي نحو الغرب.
أما من المنظور السوري، فإن العراق يمثل العمق الاقتصادي والاستراتيجي والظهير المالي والسياسي الذي لا يمكننا الاستغناء عنه في معركة البقاء. إن دمشق ترى في بغداد طوق نجاة حقيقي لكسر العزلة الخانقة وتجاوز آثار العزلة الدولية، فالعراق اليوم ليس مجرد جارٍ تربطنا به وشائج القربى، بل هو الشريك الاستراتيجي الذي يمنح الرئة الاقتصادية السورية القدرة على التنفس مجددا، ويمثل البوابة المفتوحة نحو أسواق الخليج والشرق.
إن هذا التبادل الوظيفي بين الرئة السورية والعمق العراقي هو الذي سيحول الحدود من خطوط تماس قلقة إلى مناطق ازدهار مشترك، مؤكداً أن زمن التنافس قد انتهى فعليا ليحل محله زمن شركاء البقاء.
إن جوهر هذا التحول المنشود يكمن في الشجاعة لمواجهة المسكوت عنه: لقد أنتجت سنوات الحرب والقطيعة شبكات اقتصادية موازية نشأت في ظلال الفراغ، وتحولت إلى اقتصاد ظل عابر للحدود يستفيد منه الفاعلون من غير الدول على حساب سيادة العاصمتين. إننا نتفق اليوم، كصوت نخبوي مشترك، على أن السبيل الوحيد لضمان استدامة البقاء هو تحويل هذه الممرات الرمادية إلى شراكة مؤسساتية رسمية وتفاهمات عابرة للأنظمة والتحولات السياسية الطارئة.
إن الهدف هو أن تصبح الممرات الواصلة بين بغداد ودمشق وبين الموصل وحلب وبين أربيل والقامشلي وبين البصرة وطرطوس وبين كركوك وبانياس شريانا لوجستيا يخضع لسيادة الدولتين وحدهما، وبما يحول الحدود من خطوط تماس قلقة ومصدر للتهديد، إلى مناطق تبادل وازدهار ومصدر للثروة. إن هذا التحول هو الكفيل بإنهاء أسطورة الإخوة الأعداء للأبد، ليحل محلها عهد شركاء المصير الاقتصادي.
وبناء على هذا الفهم لإرث الارتياب وحتمية التكامل، نتوجه نحن (في هذا الحوار المشترك) بنداء ملحّ إلى صنّاع القرار في العاصمتين: إن اللحظة الراهنة لم تعد تحتمل ترف الانتظار النشط أو الاكتفاء بردود الأفعال. إنها تتطلب تبني سياسة هجينة وشجاعة، تنتقل بالعلاقة فورا من مربع التنسيق الأمني الاضطراري والمحض، إلى مربع الشراكة بين دولتين تدركان أن قوتهما في اندماجهما، وأن ضعفهما في استمرار شتاتهما.
انطلاقا من هذه القراءة الواقعية لضرورات الجغرافيا، نضع أمام صنّاع القرار في بغداد ودمشق ثلاث ركائز استراتيجية تشكل الأرضية المشتركة للبقاء:
1 - تحويل الحدود من خطوط تماس إلى شرايين حياة: لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه البادية السورية-العراقية ثقبا أسود يبتلع الاستقرار الإقليمي. إن الضرورة تقتضي تحصين الحدود ليس فقط بالوسائل العسكرية، بل عبر تحويلها إلى ممرات لوجستية آمنة. إن منع انبعاث التهديدات يتطلب عقيدة أمنية مشتركة تحمي "طريق التنمية" وتحول المنافذ البرية من منصات لتصدير الأزمات إلى نقاط انطلاق للازدهار المشترك.
2 - تصفية إرث الفوضى: إن استعادة السلم المجتمعي العابر للحدود تبدأ من الجرأة في تفكيك الألغام البشرية التي خلفتها الحرب. إن إغلاق الصراعات الطائفية ليس مجرد إجراء فني، بل هو خطوة وجودية لغلق الثغرات التي يستثمرها التطرف لضرب أمن العاصمتين، إنها مسؤولية تضامنية لضمان ألا يظل مستقبلنا رهينة لتبعات الماضي، فالمشتركات بيننا أكبر من الفروقات التي يستخدمها الأخرون لإغراقنا في الفوضى.
3 - الانتقال من الارتباط بالأنظمة (الذي أورثنا صراعات القرن العشرين) إلى الارتباط بالدولة ككيان مؤسسي ثابت. إن ضمان الاستدامة يكمن في بناء مؤسسات ولجان مشتركة (أمنية، اقتصادية، وسياسية) محصنة ضد تبدل الوجوه أو تقلب الأمزجة السياسية، ليكون القرار الاستراتيجي محكوما بالمصلحة القومية العليا فحسب.
4 - الابتعاد عن سياسات العداء مع الجيران، واستخدام هذا التقارب كنموذج يصلح لتقارب أوسع في المنطقة يكرس علاقات التعاون والتكامل لا التنافس والتقاتل، ففي عصر الدول الكبرى لم يبقى مكان في هذا العالم للضعفاء، ولا يمكننا بناء قوتنا على حساب جيراننا وإنما بالعمل معهم لبناء مكانة لنا جميعاً.
لقد استنفدنا طيلة قرن مضى كل محاولات التباعد، ولم نحصد سوى ضياع السيادة. اليوم، ونحن في عام 2026، نعلنها صراحة: لقد ولى زمن صراعات الزعامة وحق التفسير بين أثينا الشام (دمشق) وبروسيا العرب (بغداد). نحن لا نملك رفاهية الانفصال الجغرافي، فالحدود التي رسمتها الخرائط القديمة تلاشت أمام وحدة النيران ووحدة المصير.
إن كلفة أي انهيار في دمشق لن تتوقف عند حدود دمشق، بل ستقتلع أعمدة الاستقرار في بغداد. إن سوريا الجديدة هي بوابة البقاء والمدى الحيوي الذي يمنح العراق رئته على المتوسط، تماما كما يمنح العراق سوريا عمقها الاستراتيجي وحيويتها الاقتصادية. لقد آن الأوان لنكف عن كوننا إخوة أعداء، لنصبح شركاء حقيقيين في زحام التحولات الكبرى في المنطقة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

 علي حسين على معظم شاشات العالم شاهدنا امس الاول رئيس كوريا الحنوبية السابق يعتذر للشعب ، بعد الحكم عليه بالمؤبد بسبب اعلانه للأحكام العرفية قبل اكثر من عام ، وقال انه " يأسف...
علي حسين

قناطر: "العيداني" في البصرة مطلبٌ عند أهلها

طالب عبد العزيز كان لمحافظ البصرة المهندس أسعد العيداني أن يكون أوفر العراقيين حظاً في تسنم منصب رئيس الوزراء لو أنه شاء ذلك، لكنَّ غالبية البصريين لا يريدونه هناك، ومن وجهة نظر خاصة فأنه...
طالب عبد العزيز

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

سعد سلوم - بسام القوتلي كعراقيين وسوريين، ندرك اليوم أننا لا نعيش حاضرنا بقدر ما نعيش ارتدادات قرن كامل من الافتراق الجوهري. فالمسألة السورية في الوعي السياسي العراقي، ونظيرتها العراقية في الوعي السياسي السوري،...
سعد سلّوم

العراق بينَ ضغطِ الداخلِ وصراعِ الخارج: هلْ ما زالتْ فرصةُ الإنقاذِ ممكنة؟

عصام الياسري في ظل رفض الرئيس الأمريكي ترامب ترشيح الإطار التنسيقي نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق، وإصرار المالكي على تعيينه للدورة الثالثة وانتهاء المدة القانونية لانتخاب رئيس الجمهورية من الأحزاب الكردية. هناك رئيا...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram