متابعة المدى
أقام بيت المدى الثقافي في شارع المتنبي جلسة استذكار للصحفي والروائي الكبير شمران الياسري (أبو كاطع) بمناسبة الذكرى المئوية لولادته. حضرها نخبة من الادباء والسياسيين، ورواد بيت المدى، وأدارها الزميل رفعت عبد الرزاق، والتي بدأها بأستعراض سيرة شمران الياسري قائلا:
شمران الياسري، الذي عرف بـ(أبو كاطع) المولود عام 1926 في ناحية الموفقية في محافظة الكوت، ونشأ بين اكواخ الطين في اقاصي الريف. تتلمذ على يد والدته وتعلم منها القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ويذكر أنه عندما فتحت مدرسة قريبة لمسكنه اخذ يتردد على المعلمين فيها واخذ منهم محاضرات في اللغة الانكليزية، وقد ثقف نفسه بمطالعة ودراسة مختلف الكتب وخاصة الماركسية منها حتى صار صحفياً واذاعياً وروائياً بارعاً .
بدأ ينشر كتاباته في الصحف المحلية وهو ما يزال في الريف وقبل ان يلتحق بصفوف اليساريين ويتخذ مساره الماركسي في مطلع الخمسينيات. بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 انتقل الى بغداد وأستمر بنشاطه الصحفي بشكل اوسع حتى اصبح صحفياً ذو شأن كبير، وفتحت امامه ابواب الصحافة والاذاعة بشكل واسع ، وبدأ اذاعة برنامجه المشهور : (احچيها بصراحة يبو كاطع)، وكان يتحدث فيه بلهجة الريف العراقي المفهومة، فإجتذب الملايين من المستمعين، وكان المذيع المعروف حافظ القباني يحرص بنفسه على تقديمه للمستمعين عند بث البرنامج حيث كانت عبارته اليومية : احچيها بصراحة يبو كاطع حچاية اخ لاخو ونابعه من العين صافي .. وكانت حكاياته تعتمد على المفارقة باسلوب ساخر ووخزات ناقدة .
في أوائل عام 1962 اعتقل بسبب توقيعه مع مجموعة من المثقفين على الوثيقة لنصرة الشعب الكردي والمطالبة بالسلم في كردستان، ومكث في الاعتقال سنة كاملة، وأطلق سراحه قبل انقلاب شباط 1963 بشهرين، ولو بقي في المعتقل لغاية شباط لكان قد لقي مصيراً محتوماً على يد جلاوزة الحرس القومي كما حدث لكثير من المعتقلين. واجه محنة شباط الاسود بالأختباء في دار شقيقه ببغداد فترة 4 أشهر ثم نقل الى ريف الكوت من قبل سائق مغامر سلك طرقاً صعبة لإيصاله إلى هناك، ولقد جابه في ريف الكوت والحي تلك القوى الشريرة بقوة وحزم فعمل مع زملائه على نشر الوعي في صفوف الفلاحين في مدن الجنوب كلها .
في السبعينيات اشتغل لفترة محرراً في جريدة التآخي، ثم عمل في صحيفة الفكر الجديد وبعدها في صحيفة طريق الشعب التي تفجرت قدراته فيها عندما أخذ يكتب عموده اليومي المعنون (بصراحة) وصار ذلك العمود يمثل مشكلة كبيرة للنظام الدكتاتوري آنذاك، وعمل كذلك مديراً لتحرير مجلة الثقافة الجديدة .. وكان معه نخبة من الأدباء الكبار المعروفين، وكان العمل في تلك المجلة يومذاك يعد نوعاً من المخاطرة في جو مشحون بالتوترات السياسية ومفاوضات قيام الجبهة مع حزب السلطة، ورغم انه كان مديراً للتحرير إلا انه كان ممنوعاً من الكتابة فيها.
اول المتحدثين كان الاستاذ. مفيد الجزائري الذي شكر المدى لمبادرتها في استذكار الرموز الوطنية والفكرية ، وتحدث عن الراحل قائلا : لقد قيل الكثير عن أبو كاطع في السنوات الماضية عن شخصيه ونباهته البكرة وما حفلتةبه من ظلم وبؤس اجتماعي لجماهير الفلاحين وتأثره بذلك.. واضاف تأثره الشديد منذ اواسط السبعينيات وما بعدها عندما كان شابا تتفتح رؤيته، وتأثره بالكفاح المتواصل للقوى التقدمية في نضالها ضد الطغمة الحاكمة.. وأشار الى أنه في تلك الظروف وكان من الطبيعي ان تتوجه أنظاره لما يسود الواقع العراقي، وكذلك نحو الشيوعين الذين كانوا يخوضون نضالا مريرا ضد الاستعمار وقوى التخلف، ورأس رمح في نضال القوى الديمقراطية بشكل عام. ويضيف ان عام 1956 الذي كان متخما بالاحداث السياسية والاقتصادية، وكان الياسري وهو رجل ثلاثيني ناضج قد توج مسيرته الوطنية بالأنضمام الى الحزب الشيوعي، ويشير هكذا شق الياسري طريقه الذي توهج بشكل اكبر بعد ثورة 14 تموز المجيدة بشخصية (ابوكاطع) وحكايته (بصراحة) أنتصارا لقانون الإصلاح الزراعي الذي شكل ركيزة في النضال الوطني للشيوعيين. وعلى أمتداد ربع قرن استمرت مسيرة أبو كاطع صحفيا وشعبيا وداعية ثورية. مدافعا عن الجمهورية والسلام في كردستان. وأختتم حديثه بالدور الذي لعبته منجزات أبو كاطع الصحفية والروائية في تعزيز هذه المسيرة النضالية.
الناقد علي حسن الفواز قال: بعد 45 عاما على رحيل شمران الياسري (أبو كاطع) ما الذي تبقى من عطاء هذا الرمز الغني، هل من استعادة سيرته، أم أن هذا يكفي للرجل الذي مثل ايقونة او رمزا في تاريخنا السياسي وتاريخنا الثقافي؟ وأضاف أنه يظن أن المسؤلية بمكان أن يكون الحديث عن الياسري حديثا ثقافيا عن أهمية هذا الرجل بطرح بسؤال وجودي مهم ، فالدراسات الثقافية والنقد الثقافي تحتاج لمثل هذا السؤال والحاجة الى المثقف في هذا النسق، ودور الخطاب الذي صنعه على مستوى الرواية مثلا، وكان الحوار الذي كان يسميه ابو كاطع (عرس واوية). ولهذا السبب جعل من رواياته ذات نوعية ضدية. فمنذ ان بدأ بكتابة العمود الصحفي، حيث يتجلى فيه تشابك واضح مع المثقف العضوي. وأشار الى أن أبو كاطع شكل خطرا في خطابه، حيث تضمن توريات التي قشرها بشكل يخدم الحركة السياسية.
الدكتور حسان عاكف بدوره تحدث عن الياسري كونه مناضل شيوعي ويساري، لكنه أيضا روائي وصحفي، وأضاف ان يتذكر في عام 1959 ان المحطة الأولى مع الياسري، عندما كان صغيرا بعمر تسعة أعوام، وكان برانامجه أبوكاطع الإذاعي يستهوي العائلة، رغم الاختلاف في لهجة ابى كاطع ولهجتنا الغربية، أما المحطة الثانية عي البرنامج الثاني كان (أم علي) الذي يقدمه الراحل عبد الجبار عباس، والذي كان يتحدث عن أراء وقضايا اجتماعية تخص تأثيرات ثورة 14 تموز. وأشار الى ان أبو كاطع عرف بكتاباته وبرامجه الاذاعية كصحفي، مشيرا الى أنه في منتصف السبعينيات كانت هناك ثلاث منابر إعلامية يكتب فيها (أبو كاطع) المنبر الأول هو الفكر الجديد التي صدرت بداية السبعينيات، كانت فيه كتابات لشمران الياسري، ثم عموده في طريق الشعب كان المنبر الثاني ، إضافة الى مجلة الثقافة الجديدة والتي هي المنبر الثالث لابي كاطع، حيث ظهرت وتجلت بشكل كبير اسهاماته الصحفية.
وقال الاستاذ أمين الموسوي: الذي شكر المدى، أن اسرة أبو كاطع وأبو كاطع قدمت الكثير ما يمكن التفاخر به على مذبح الحرية في العراق، ومنهم أبن عمه حبيب الياسري الذي أعدم مع المجموعة الذي كان ضمن الذين عملوا مع الحزب الشيوعي، والطريف أن سكرتير الحزب عزيز محمد تحدث مع صدام حسين للعفو عنهم، ووعدهم بذلك، لكنه لم يفي.. واشار الى أنه يتحدث عن جانب أدبي لما تركه شمران الياسري، فهو جدير بالدراسة، فقد أضفى على شخصية خلف الدواح، عمقا نوعيا تفوقت على الشخصية الحقيقية ، لكن تلك الشخصية رسمها أبو كاطع واضاف لها الكثير بما يليق بها، وأضاف ان الظواهر لابد أن تكون مرتبطة يالسياسة بشكل مباشر أو غير مباشر كما يقول ألتوسير، فشخصية خلف الدواح كانت تمثل طبقة، وشخصية حية مؤثرة، بما يمتلكه الياسري من موهبة في رسمها. وأخيرا تحدث نجل الراحل الاستاذ إحسان شمران الياسري، نجل الراحل شمران الياسري مترحما الى شهداء العراق وشهداء الحزب الشيوعي، مضيفا طرفة سمعها مرة من والده، : أن أحد العلماء الكبار جاءه خادم له، ليخبره أن هناك ضيفا يود رؤيته، واستقبله بمكتبه الذي كان عامرا بالكتب، وهنا سأله الضيف وهو كان يخشى أن يسأله سؤالا يتعلق بالفقه أو أي شيء أخر : (هذه القراعين هل أنت قارئها جميعا؟) وأشار الى أن ما كتبه والده وخاصة في الرباعية، هي ثروتنا كلنا. حيث لخصت التاريخ العراقي واشار الى انها تصبح مصدرا لكتاب الرواية، وأضاف ان الوالد كان صانع شخصيات مثل الكثير من الشخصياتالتي تضمنتها رواياته، خلف الدواح، وحسين والمعلم فاضل، وصالح أبو البينة.. وغيرهم










