السماوة / كريم ستار
تواجه صناعة الطابوق في العراق تحديًا حاسمًا بعد إلزام الحكومة أصحاب المعامل بالتحول إلى استخدام الغاز بدلًا من الكاز أو النفط الأسود، ضمن مساعٍ للحد من التلوث. غير أن غياب خطط دعم واضحة وآليات عملية لتوفير الوقود الجديد، بحسب أصحاب المعامل، أدى إلى توقف جزئي في الإنتاج وارتفاع ملحوظ في الأسعار.
وباشرت الحكومة مطلع شباط الجاري تنفيذ القرار عبر قطع حصص الوقود التقليدي عن المعامل، بهدف دفعها إلى تركيب وتشغيل منظومات الغاز. ويؤكد أصحاب معامل أن الخطوة نُفذت من دون توفير بدائل جاهزة أو ضمانات لتجهيز الغاز.
جسام جبار، صاحب «معمل طابوق» في الكوت، يقول: «بدأت الحكومة بقطع حصص الكاز عن المعامل منذ مطلع العام لأسباب بيئية، وتساورنا شكوك حول قدرتها على توفير الغاز لمعاملنا، فهي عاجزة حتى عن توفيره لمحطات الكهرباء». ويضيف أن تكلفة تركيب منظومات الغاز تبلغ نحو 600 مليون دينار لكل معمل، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من أصحاب المشاريع.
في ذي قار، يشتكي عمال معامل الطابوق في منطقة الطبر من فقدان مصدر رزقهم بعد توقف عدد من المعامل. ويقول أحد العمال: «نحن مجبرون على العمل في هذه المهنة الشاقة في ظل البطالة وانحسار مصادر العيش، وبعد أن قطعت الحكومة الوقود أصبحنا عاطلين، والكثير منا غير قادر على سداد الديون والنفقات الأساسية».
وأدى التوقف الجزئي إلى ارتفاع أسعار الطابوق في الأسواق. ففي ميسان والبصرة ومحافظات أخرى، تجاوز سعر الألف طابوقة 200 ألف دينار، فيما بلغ سعر «الدبل» الذي يضم 8 آلاف طابوقة نحو مليون ونصف المليون دينار. كما ارتفع سعر شاحنة الكاز من ثلاثة ملايين دينار إلى قرابة تسعة ملايين دينار في السوق السوداء، ما انعكس على كلفة مشاريع البناء.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، قرر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني تشكيل فريق من الجهات المعنية لدراسة المشكلات التي تواجه أصحاب معامل الطابوق، وتحديد المعامل القادرة على التحول إلى الغاز السائل في مجمع النهروان، مع وضع مقترحات لتوفير شبكة أنابيب وخزانات مركزية. كما كُلِّفت وزارتا النفط والثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان بإعادة دراسة تجهيز المعامل بالغاز السائل في الإقليم.
مدير قسم الإعلام والعلاقات في شركة توزيع المنتجات النفطية، رافد صادق، يوضح: «نجهز أصحاب المعامل بحصص الوقود اللازمة لأي معمل مستوفٍ للشروط، ونوعية الوقود وكميته تحددها وزارة الصناعة عبر دائرة التنمية الصناعية». ويضيف أن «بعض المعامل تواجه مشكلات ضريبية أو إدارية، وقد يعترض أصحابها، لكن قطع الوقود يتم بعد إجراءات محددة».
من جهته، يؤكد أبو شمس السعيدي، صاحب معمل طابوق في مجمع النهروان، أن القرار الحكومي وضع المعامل في حالة «إرباك كبير». ويشير إلى أن عدد المعامل في النهروان يبلغ نحو 300 معمل موزعة على ثلاثة مجمعات: المجمع القديم، ومجمع عقارات الدولة، ومجمع الجعاري التابع إداريًا إلى محافظة ديالى، لكنه ضمن مجمع النهروان بحكم التداخل الجغرافي بين ديالى وبغداد. ويضيف أن عدد المعامل في الوسط والجنوب والفرات الأوسط يصل إلى نحو ألف معمل، وأن نحو 25% منها متوقف حاليًا، مع رفض أصحابها قرار وزارة النفط بفرض شهر صيانة إلزامي سنويًا لكل معمل.
ويتابع السعيدي: «قسّمنا العمال على وجبات لتخفيف العبء المالي وتقليل الأضرار على العائلات، وقللنا عدد العمال بنسبة 50%، خصوصًا أن كثيرًا منهم يأتون من محافظات أخرى ولديهم عوائل. نحن مؤيدون للتحول إلى الغاز، لكن المادة لم تصل إلينا بعد، ويجب أن تكون القرارات مدروسة لا استعجالية».
ويقول سجاد العكيلي، أحد عمال معامل النهروان، إن أصحاب المعامل نظموا وقفات احتجاجية في محافظات عدة، بينها واسط وذي قار والنهروان، مطالبين الحكومة بحل الأزمة وتوفير الغاز اللازم. ويضيف أنهم أسسوا هيئة تنسيقية تضم معامل المحافظات لتوصيل مطالبهم إلى الجهات الحكومية، مؤكدين احتمال اللجوء إلى تظاهرات واسعة في حال توقف المعامل بالكامل.
الخبير الاقتصادي مهدي جسام يحذر من تداعيات استمرار الأزمة، مؤكدًا أن «العراق يعتمد بشكل أساسي على الطابوق في المشاريع السكنية والتجارية، وارتفاع الأسعار يزيد كلفة المشاريع ويقلل قدرتها على المنافسة، في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين».
ويطالب أصحاب المعامل بدعم حكومي مباشر للتحول إلى الغاز، يتضمن تسهيلات مالية لتغطية كلفة تركيب المنظومات وضمان توفير الكميات اللازمة بانتظام، مع التأكيد على أن أي خطة بيئية يجب أن تقترن بحلول عملية لتفادي فقدان آلاف الوظائف وضمان استمرار الإنتاج.










