أوليفييه دوزون
ترجمة : عدوية الهلالي
في تحليل حديث، يحذر عالم السياسة الأمريكي أندرو كوريبكو من رغبة واشنطن في استعادة هيمنتها العالمية. فمن خلال سعيها لإعادة إحياء نظام أحادي القطبية عفا عليه الزمن، تُخاطر الولايات المتحدة باستفزاز ردود فعل خطيرة من خصومها.
ففي مقال له نُشر في ٣ شباط ، يُقدم المحلل الجيوسياسي أندرو كوريبكو تشخيصًا واضحًا: استراتيجيات الأمن الأمريكية الجديدة تهدف صراحةً إلى "استعادة الهيمنة الأحادية"، أي هيمنة الولايات المتحدة العالمية. ووفقًا له، لم تعد "عقيدة ترامب" تكتفي بإدارة ميزان القوى فحسب، بل تسعى إلى إعادة ترسيخ تسلسل هرمي دولي واضح، تتربع واشنطن على قمته.
ويمثل هذا الخيار نقطة تحول. فبعد سنوات من الحديث عن التعددية، تسعى أمريكا الآن إلى مشروع للهيمنة، لكن هذا المشروع يجري في عالم لم يعد مواتياً له. ويسلط أندرو كوريبكو الضوء على تحول كبير: فبخلاف تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية، لم تعد الولايات المتحدة ترغب في الانخراط مباشرة في حروب مكلفة، بل تفضل الآن الاعتماد على شركائها الإقليميين. ويقول في مقاله : "هذه المرة، تُحجم الولايات المتحدة عن التورط في صراعات خارجية، وتعتمد بشكل أكبر على حلفائها».
أي تصبح الهيمنة غير مباشرة، إذ تعمل الولايات المتحدة من خلال التحالفات والعقوبات والاتفاقيات التجارية والضغط التكنولوجي،فتُحكم الإمبراطورية من بعيد.
وتُحدد الاستراتيجية الأمريكية بوضوح منافسيها: الصين، روسيا، إيران، وكوريا الشمالية.فتحتل الصين موقعًا محوريًا ، إذ يصفها البيان الرسمي بأنها "أقوى دولة بالنسبة للولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر". وهو تصريحٌ يحمل دلالات عميقة، حيث تُقر واشنطن بأن سيادتها مُهددة.
ويوضح كوريبكو أنه في مواجهة هذا الضغط، يتعين على كل قوة الاختيار بين ثلاثة خيارات: تحدي الولايات المتحدة، أو موازنتها، أو التحالف معها.ومن الواضح ان لا أحد يقبل الخضوع تمامًا، حيث تُجسد الهند هذا الغموض الاستراتيجي. فهي لن تتحدى واشنطن بشكل مباشر، لكنها ترفض أي تبعية مُفرطة.
وبحسب كوريبكو، تسعى نيودلهي إلى "موازنة" الولايات المتحدة من خلال علاقاتها مع روسيا، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى "الانضمام" (التحالف الانتهازي) جزئيًا عبر اتفاقيات تجارية وعسكرية. وتتعاون الهند، لكنها تحافظ على مسافة بينها وبين بكين، رافضةً الانجرار إلى مواجهة مباشرة معها أما روسيا والصين فتتبعان منطقًا مشابهًا فتستثمر موسكو في الأسلحة الاستراتيجية، وتُطوّر شراكات متعددة، وتحافظ على قناة حوار مع واشنطن. إنها تتحدى وتوازن وتتفاوض في آن واحد بينما تتبنى بكين النهج الثلاثي نفسه: تعزيز القدرات العسكرية، وشبكة من الشركاء عبر مبادرة الحزام والطريق، والمفاوضات التجارية ،ويكتب كوريبكو: "الصين ليست مختلفة". فهي تتحدى الأحادية القطبية وتسعى في الوقت نفسه إلى التواف ، .فلا بكين ولا موسكو ترغبان في الحرب.، ولكن لا يقبل أيٌّ منهما بالخضوع.
وفيما يخص إيران وكوريا الشمالية فهما تجسدان استراتيجيات البقاء إذ تعتمد بيونغ يانغ على بكين وموسكو لتجنب التبعية الكاملة، بينما تُصعّد في الوقت نفسه من استعراضاتها العسكرية أما طهران فتجمع بين المواجهة الإقليمية والتحالفات البديلة والمفاوضات النووية. ويُبين كوريبكو أن هذه الدول تتأرجح باستمرار بين التحدي والتوازن والتسوية، لعدم وجود بديل ذي مصداقية.
وتقوم الاستراتيجية الأمريكية على عزل الصين ، فمن وجهة النظر الأمريكية، الهدف واضح وهو احتواء الصين. ولتحقيق ذلك، تسعى واشنطن إلى استمالة الهند وروسيا إلى فلكها، والسيطرة على الموارد الإيرانية، وتحييد كوريا الشمالية. ويحلل كوريبكو قائلًا: "من المرجح أن تُقدم الولايات المتحدة شروطًا أفضل للهند وروسيا لإبعادهما عن الصين ". والهدف هو تفتيت المعسكر المُعارض فهذه استراتيجية كلاسيكية لقوة مهيمنة لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على خطر جسيم.
ويستشهد أندرو كوريبكو صراحةً بالسابقة اليابانية عام ١٩٤١. فبعد أن حاصرتها العقوبات الأمريكية، اختارت اليابان المواجهة. ويحذر من أن الصين قد تواجه يوماً ما نفس "المعضلة الصفرية". فإما الاستسلام أو القتال. وكلما شددت واشنطن سياستها، ازداد احتمال هذا الخيار.
وفي منطق المواجهة هذا، يصبح القانون الدولي ثانوياً. فالعقوبات الأحادية، والالتفاف على المؤسسات، واستغلال المعايير، كلها عوامل تُضعف النظام القانوني العالمي فالتنافس الاستراتيجي يحل محل القواعد المشتركة والتعددية تتحول إلى أداة، لا مبدأ.
إذن فإن تحذير كوريبكو واضح ولالبس فيه وهو " إن استعادة الهيمنة الأمريكية الأحادية القطبية يُنذر بخطر اندلاع حرب عالمية أخرى إن لم يسود المنطق."وهذا التحذير جدير بالاهتمام ،فالقرن الحادي والعشرون متعدد الأقطاب، ولا يمكن لأي دولة أن تدّعي حكمه منفردة بشكل مستدام. وبرفضها الاعتراف بهذه الحقيقة، تُخاطر واشنطن بتحويل التنافس إلى مواجهة. ويُظهر التاريخ أن الإمبراطوريات نادرًا ما تنهار سلميًا.وبسعيها لأن تصبح مركز العالم الوحيد مرة أخرى، قد تُصبح أمريكا بؤرة الزلزال القادم.










