بلقيس شرارة
منذ مئة عام ولد رفعة الجادرجي في السادس من شهر كانون الأول، وقد ولد في عائلة تختلف عن العائلات التقليدية في بغداد آنذاك. فقد كان والده لبراي/ liberal التفكير ومنفتح على ما يحدث في أوربا من تطور علمي وتقني واجتماعي وسياسي.
كما كان لوالد رفعة هوايات متعددة، منها التصوير، و كانت علاقته حميمة بابنه رفعة، فقد أهدى له في السابع من عمره كاميرا، وبدأ رفعة منذ الصغر يأخذ الصور ويسجل ما يراه من خلال عدسة التصوير. كان شيئاً غريباً في تلك الفترة الزمنية وقليل من الناس يملكون الكاميرا، واستمرت هذه الهواية طيلة حياته وقد صور الكنائس والابنية المهمة في انكلترا وفرنسا، كما كان له هواية في تصوير الغيوم، لكنه عندما عاد إلى العراق بعد أن اكمل دراسته في انكلترا، بدأ بتصوير الحياة اليومية الإجتماعية في العراق.
كما كان والد رفعة مشترك في بعض المجلات الغربية، مثل أخبار لندن/ London News، مجلة الجغرافية القومية / National Geography Magazine، وشاهد في هذه المجلات صور حريق القصر البلوري في انكلترا عام 1936، وقد هزه الحريق عندما شاهده في المجلة.
تعلم رفعة منذ طفولته ان للوقت أهمية فلا يضيع وقته، وكان يمتعض من الناس الذين لا يهتمون بالمواعيد والوقت لا يعني شيئاً لهم.
كما اثر والده عليه باهتمامه بالتوثيق، وكان يصوره كل سنة في عيد ميلاده، حتى بلغ العاشرة من عمره.
وفي سن المراهقة كان من بين هواياته المبارزة والركض، وفاز مرات عديدة في سباق المئة متر.
كان من بين اصدقائه قحطان عوني، الذي درس العمارة في الولايات المتحدة واستمرت صداقتهما حتى وفاة قحطان في عام 1970، وقد كتب عنه: "لم يكن قحطان عوني صديقاً وحسب لمدة تزيد عن ثلاثين عاماً، بل عاصرني وعاصرته في تطوير افكارنا، ثم صرنا معا مهندسين معماريين وظل احدنا يؤثر بالآخر، فنتناقش ونتخاصم، حتى اضحى لكل منا دور في تطور الآخر، وبقينا صديقين متلازمين طوال تلك السنوات".
بعد ان انهى البكالوريا كان يملأ وقته بالمطالعة، وعندما قرر ان يدرس العمارة، كان يضطر الى الاستراحة أحياناً، فسأله والده ذات يوم لما لا تقرأ، أجابه انه اصيب بالتعب، فقال له: "ان جسم الإنسان لا يتعب من جراء القراءة لكن الذي يحصل هو ملل في الدماغ، فإذا ما تم التبديل وانتقل الدماغ إلى موضوع آخر زال الإعياء".
سافر رفعة إلى لندن وقضى ستة اعوام في مدرسة همرسمث، وانسجم مع الطلبة والاساتذة، وحتى ان احد الاساتذة كان يقول له سادعيك على الغداء لتتحدث عما وصلت اليه في نظريتك. وكان أحد الأساتذة يقول لهم :" إن الإبداع يتكون من 95% في المئة عرقاً و5% إلهاما".
كما كان يلتقي بالرسام جواد سليم اسبوعياً، ويذهبان إلى احد المتاحف حيث يقف جواد وبجانبه رفعة يشرح له ما تعني هذه الصورة عندما رسمها الرسام، وقد ركز في زياراته على فترة Renaissance.
عاد رفعة في نهاية عام 1952 إلى بغداد، وادرك مبكراً ان النشاط المعماري لا يسستقيم جيداً إلا بالعمل الجماعي، وهو جهد عدد من المعماريين والمهندسين باختصاصات مختلفة. فأسس مكتب الإستشاري العراقي مع المعمار عبدالله احسان كامل والمهندس المدني احسان شيزاد و أرتين ليفون.
وبدأ رفعة منذ التصميم الأول في تصوير كل بناء من الأسس حتى يكمل البناء. وكان يؤمن بأن البناء الحضاري يؤلف النصف الأول في عملية الإنجاز، والنصف الثاني وهو الأهم، صيانته والمحافظة عليه باعتباره ذاكرة المجتمع، وسيكّون امتداد لهذه الذاكرة في الزمن. وكان يؤمن من ان الشعب الذي لا يتمكن من من صيانة إبداعه هو شعب لا يمتلك ذاكرة ليسّخرها في المزيد من البناء الحضاري، وبأن الذاكرة هي الأساس في تكوين وجدان المجتمع.
والتصميم بالنسبة له هو ربط الشكل بالزمان والمكان، اي ان أي تصميم هو حالة مرتهنة بالزمان والمكان. ولذا جابه رفعة حرارة المناخ في بغداد، وكيف عليه أن يجد الحلول لهذا الموضوع. كما إن العمارة هي كظاهرة إجتماعية ذات كيان مادي حقيقي، وهي حصيلة التناقض الجدلي بين المطلب الإجتماعي من جهة والتقنية المعاصرة له من جهة أخرى.
كما كان رفعة من المعجبين جداً بما قامت به حركة الباوهاوس التي كان رئيسها ولتر كروبيوس في الثلاثينيات من القرن الماضي، "حيث تجمع فيها فنانيين ومعماريين قادوا تجارب وممارسات متقدمة في توليد اشكال معمارية وتصنيعية متوافقة مع المكننة، ولا تزال تلك التجارب تؤلف قاعدة الحداثة".
عندما وصل بغداد ألقي بعد فترة القبض عليه وأفرج عنه بعد شهر، ثم انتقل من مجلس الإعمار إلى مديرية الأوقاف. كان في تلك الفترة يجتمع بجماعة "الرواد" من الفنانين والرسامين والمعماريين ويدور البحث عما يجب عليه أن يكون طابع الفن في العراق، وساهم بدوره إذ كان يفكر فيما يجب أن تكون عليه العمارة في العراق.
وطرح سؤالين: "هل نسير في ركاب الغرب، وننهج نهجاً يقلد الرواد الأوربيين، أم نسعى في أن نجد لذاتنا نهجاً يعبّر عن خصوصيتنا، أي نجد لأنفسنا طريقاً محلياً يخصنا ويعبّر عن المجتمع العراقي، وكان رفعة والرسام جواد مؤيدين لهذا الإتجاه، أما الرسام محمود صبري فكان يؤمن من انه يتعين أن يكون للفن دور في التطور السياسي في العراق.
في نهاية عام 1953 تعرفتُ على رفعة وفي عام 1954 اعلنت الخطبة، ولم يكن زواجاً تقليداً وإنما كسرنا جميع التقاليد المتعارف عليها، فلا بدلة عرس ولا حفلة زواج، وحتى لم تلتقط لنا صورة بهذه المناسبة.
وجدت رفعة ان له اسلوبه الخاص حتى في الملابس التي يرتديها، فكان لون البيجامة أبيض دائماً، كما حدد لون الطقم الذي يرتديه بثلاثة ألوان، الأسود والكحلي أو الرصاصي الغامق. وكان يهتم بآداب المائدة والدقة في وقت تقديم الطعام، بالإضافة إلى هواية التصوير والقراءة، كما كان دقيق في نوع استعمال الورق ولونه في المكتب.
وقد صصم دارنا في حديقة دار والده، وكان منشغلاً آنذاك كيف يحل مشكلة الحرارة ووهج الضياء، أي معالجة البيئة والمناخ، لذا استعمل في تصميم دارنا الرواق الهوائي والستارة الجدارية والمشبك الحديدي، ووضعنا في الصيف قماشاً بين مربعات السكرين، وكان يرفع في فصل الشتاء، لكي تدخل الشمس إلى الغرف.
وارتبط اسم رفعة بمشاريع كثيرة خلال الفترة التي قضاها في بغداد، وبعد ثورة 1958، بعث عليه رئيس الوزراء عبدالكريم قاسم وطلب منه تصميم ثلاثة أنصبة، نصب الجندي المجهول في ساحة الفردوس ونصب أربعة تموز عند "حديقة الأمة" ونصب الحرية. لم يطل عمر نصب الجندي المجهول فقد هدم من قبل صدام حسين رئيس الجهورية آنذاك، لكن نجى نصبيّ اربعة عشر تموز والحرية.
بعد انقلاب 1963 وقتل عبد الكريم قاسم، قدم رفعة استقالته من الوظيفة في اليوم التالي، كما أصدر مرسوم بتجميد امواله ومنعه من السفر إلى خارج العراق. كما سحبت بعض المشاريع التي كانت محالة على مكتب الإستشاري العراقي التي لم تكن قيد التنفيذ، كما جُمدت انا وفصلت من الوظيفة.
وبدل من ان يهيمن عليه اليأس فقد اتصل ببعض الفنانيين والمعماريين واسسوا "الجمعية البغدادية". وكانت الجمعية رائدة في العراق، فلم تكن نادياً اجتماعياً أو مؤسسة ثقافية فحسب بل اصبح بالإمكان مشاهدة الأفلام الثقافية العالمية والإستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية والمقامات العراقية، كما شملت القاء المحاضرات.
كما اسس في تلك الفترة معرض "آيا" ومعملاً لإنتاج الأثاث وقام بتصميم تلك الأثاث، وعرضت في قاعة في بناية حسيب صالح. كما قام في تصميم الأبواب والسقوف مثل سقف المجمع العلمي وغرفة كامل الجادرجي وغيرها.
ومنع استيراد النبيذ في تلك الفترة، ففكر رفعة في عمل النبيذ بمساعدة أحد الخبراء الإيطاليين. هذا بالإضافة إلى أنه اصبح يداوم في المكتب صباحاً ومساءً.
وكان أي تصميم يقوم به في تلك الفترة، يحاول ان يجمع بين هوية المكان والحداثة، وهذا ما قام به عندما اشترى ارض فيها بناية خربة في لبنان تطل على البحر، فقبل ان يصمم الدار، درس البيوت القديمة في لبنان وطريقة استعمال الحجر. وقال للمعماري عاصم سلام الذي ساعده في شراء الأرض، بعد ان صمم الدار،" أنا هويتي عالمية، لأنني اشتغلت في العراق والعالم العربي، فحاولت أن اجمع بين التراث والحداثة، لكن لم أسمح للتراث أن يهيمن عليّ، إنما كنت أقتطف ما أشتهي... الهوية الفعّالة تأخذ التاريخ وتعيد تنشيطه بشرط أن يتوافق مع الحداثة وإن لم يتوافق فتهمله.".
في تلك الفترة في عام 1968 توفي والده، وشعر رفعة بفراغ بموته، ولم يستطع ان يتلافى الصدمة إلا بعد أن كتب عنه كتاب "صورة أب" وسجل تلك المرحلة حتى يومه الأخير.
كان يود ان يصّور موكب الجنازة عندما نقل النعش إلى الحضرة الكيلانية، ولكنه امتنع عن ذلك لأن المجتمع لا ينظر إلى التصوير الفوتوغرافي بأنه توثيق، بل هو مخصص لمناسبات الفرح.
في عام 1968 أي بعد وفاة والد رفعة بفترة قصيرة قام حزب البعث في الإنقلاب، ورفع منع السفر عن رفعة، فسافرنا إلى اليونان. وعندما عدنا إلى بغداد، أمر متصرف بغداد في هدم بناية بستان الفحامة، وهذا البناء الذي صممه رفعة لم يطل عمره أكثر من خمس سنوات. كان رفعة يدرك منذ البداية، أنه بمرور الزمن ستزول معالم كثيرة إن كانت دور أو عمارات صممها، وهذا أول الغيث، عندما شاهد معاول الهدم تنقض على الجدران والأقواس التي صممها.
كان رفعة يصور اعماله من بداية الأسس حتى تكتمل البناية، لأنه يعرف جيدأ أن العقلية السائدة هي عقلية بدوية، بعيدة عن احترام الحرفة.
في نهاية عام 1978 عدنا من النمسا، إذ القى رفعة محاضرة في مدينة إنزبروك وعرض لأعمال، وأخرى في العاصمة فينا. في اليوم الثاني من وصولنا، ألقي القبض عليه، وسيق إلى بناية المخابرات وغاب في دهاليزها.
مرّ إحدى عشرة يوم ولا ندري إن كان ما زال حياً، حتى سمح له بالتلفون، وتكلم معي ربما دقيقتين فقط، لكن خلال هذه المدة القصيرة توصلنا إلى إيجاد شفرة بيننا، فكنت أفهم عليه ما يريد وهو يفهم عليّ أين وصلنا في تتبع قضيته.
وكان يسال نفسه عن الصدفة والمحنة اللتين يعاني منهما. وكان يكرر دائماً السؤال وهو في ذلك الظلام.. "واقول ما هذه الصدفة، واعلم ان الصدفة لا تختار ولا تحدث بعقل أو بتخطيط وإنما صفتها العفوية في العّينة، في التوقيت والإنتقاء".
وبعد صدور الحكم عليه مؤبد، فصل من نقابة المهندسين، بدل الدفاع عنه من قبلهم. وزرته في السجن بعد خمسة أيام، وسلمني قائمة بالكتب التي يود أن يقرأها، وقضيت فترة وجوده في السجن ادوام في المكتب لكي احضّر له المواد عند المقابلة. واستغل وقته حتى في السجن، وقد قرأ مئة وستين كتاب وقد انهى كتابة كتابين ونصف في السجن. وقرر ان يترك التصميم ويقضي معظم وقته في الكتابة.
وبعد ثمانية عشرة شهر اعفى صدام حسين عنه، وطلب منه إعادة بناء مدينة بغداد، بسبب أن مؤتمر عدم الإنحياز سيعقد في بغداد. قضى عامين في بغداد، دعا رفعة اهم المعماريين العالميين، وقد نُفذ عدد قليل من الأعمال، بسبب الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثمان أعوام.
وقبل سفرنا بشهرين هدم نصب الجندي المجهول بقرار من صدام حسين رئيس الجمهورية آنذاك، وكان وداعاً مؤلماً لرفعة قبل سفرنا إلى الولايات المتحدة، وقف رفعة وأخذ صورة مع المقاول المسؤول عن هدم النصب. كان رفعة يعتقد اينما كان المسؤولون في العالم العربي لا يؤمنون بالمحافظة على التراث،" لأن العقل العربي ليس لديه مفهوم للتاريخ والتراكم التاريخي، ولهذا لم نكتب تاريخنا بعد، ولا نملك وثائق عن وجودنا الا فيما ندر".، لذا كان رفعة منذ البداية، كلما بدأ بمشروع ، كان يبدأ بتصويره منذ بداية الأسس حتى ينتهي المشروع، إن كان بيتاً بسيطاً أومشروعا ضخماً، لأنه عرف منذ البداية أن اعماله ربما زائلة ولن يبقى منها إلا القليل بمرور الزمن. كان نصب الجندي المجهول هو ثاني تصميم من تصاميم رفعة الذي هدم أمام ناظريه، فالتصميم الأول كان مأوى بناية الفحامة، وكان وداعاً مؤلماً له، فقد ترك العراق بعد شهرين.
سافرنا الى الولايات المتحدة وقرر رفعة التفرغ الى الكتابة، وفكر في الكتابة عن تراتيبية الجلوس واختار دار جده "بيت عارف آغا"، وخاصة بعد أن تعمق في تلك الفترة في دراسة الأنثروبوجيا. وكانت نظرته نظرة أنثوربولوجية حتى عندما كان يصور في أنحاء العراق، وكان يدعى أحياناً إلى داخل البيوت التي صورها من الخارج، وعندما صور دار جده عارف آغا، قبل أن يهدم، عادت به الذاكرة الى طفولته في تلك الدار عندما كان يذهب مع والدته لزيارة بعض اقاربها.
لم يتحدد رفعة بالمؤثرات على أعماله بمنطقة أو بكلشر معين، لكنه يقول من أنه تأثر بكثير من المعماريين والرساماين والنحاتين في مختلف العصور ومن مختلف الثقافات العالمية إن كان في الشرق أو الغرب.
الـمـعـمـار رفـعـة الجـادرجـي

نشر في: 23 فبراير, 2026: 12:02 ص









