TOP

جريدة المدى > سياسية > دراسة دولية: تبعات الجفاف تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في العراق

دراسة دولية: تبعات الجفاف تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في العراق

هجرة العوائل الريفية المؤقتة للمدن أصبحت دائميةً لعدم وجود حلول

نشر في: 23 فبراير, 2026: 12:08 ص

 ترجمة حامد أحمد

تناولت دراسة بحثية أعدتها منظمة "بيرغوف فاونديشن" (Berghof Foundation) الألمانية لدعم المجتمعات المتضررة، تبعات التغير المناخي والهجرة وتأثيرها على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات السكانية الريفية واستقرارها في أربع محافظات متأثرة بالمناخ في العراق: نينوى، وكركوك، وديالى، والسليمانية، ودور المؤسسات الرسمية والمحلية في مواجهة هذه التحديات وسط غياب الحلول، مشيرةً إلى أن الضغوط البيئية أصبحت محركاً رئيسياً للهجرة في العراق، في وقت تحولت التحركات المؤقتة للعوائل الريفية إلى المدن إلى انتقال دائم؛ بسبب ضعف المؤسسات الرسمية المعنية ونقص التمويل.
تتقدم أزمة المناخ في العراق بوتيرة أسرع من الإصلاحات المؤسسية، مما يكشف فجوات عميقة في الحوكمة، ويضاعف في الوقت نفسه من هشاشة الأوضاع الاجتماعية. ويعمل الضغط المناخي كمُضاعِف للتهديدات؛ فهو لا يخلق صراعات جديدة بمعزل عن غيره، بل يُفاقم نقاط الضعف القائمة في إدارة الموارد وتقديم الخدمات.
يشير التقرير إلى أن المؤسسات الرسمية المعنية ما تزال بطيئة، وتعاني من نقص التمويل والتجزؤ، مما يدفع المجتمعات إلى الاعتماد على الآليات غير الرسمية وفاعلي المجتمع المدني؛ إذ توفر المجالس العشائرية والمخاتير والشيوخ حلولاً سريعة ومتجذرة ثقافياً للنزاعات المتعلقة بالمياه والأراضي، بينما تؤدي النساء أدواراً محورية في إدارة موارد الأسر والوساطة غير الرسمية، رغم استبعادهن من مواقع صنع القرار الرسمي.
وتعكس أنماط الهجرة هذه الهشاشة؛ فبعد أن كانت الهجرة من الريف إلى الحضر تكيفية ومؤقتة في البداية، أصبحت تتخذ طابعاً دائماً بشكل متزايد مع استمرار الجفاف وانعدام الأمن وفشل الخدمات. ومع ذلك، تُظهر المجتمعات في المحافظات الأربع قدراً لافتاً من الصمود والتضامن؛ إذ يبتكر السكان حلولاً عبر اتفاقيات لتقاسم المياه، وجداول ريّ دورية، واستخدام مضخات تعمل بالطاقة الشمسية، فيما تعمل المجالس المحلية وشبكات النساء على منع تصاعد النزاعات.
وتتفاقم الهشاشة بالنسبة للفئات التي تعاني أصلاً من أوجه حرمان هيكلية. فمجتمعات الأقليات في نينوى (مثل الإيزيديين والمسيحيين) تواجه مخاطر متراكبة نتيجة النزوح السابق، إلى جانب الضغوط البيئية الحالية. كما تتحمّل النساء والفتيات أعباءً أكبر من العمل غير المدفوع، مثل جمع المياه أو أعمال الرعاية، في الوقت الذي يُستبعدن فيه من منتديات تخصيص الموارد. وغالباً ما يزيد ذلك من مخاطر الزواج المبكر بوصفه استراتيجية تكيّف سلبية. أما الشباب، فتتقلص فرصهم مع تزايد الحراك المرتبط بالمناخ (سواء الهجرة المناخية أو النزوح المناخي)، وغالباً ما يفوّت المنتقلون فرص التعليم ويواجهون أسواق عمل ضيقة.
كما تتعرض الأسر النازحة أو العائدة، وكذلك الأسر التي تعيلها نساء، لمخاطر إضافية بسبب انعدام أمن الحيازة، والديون، ومحدودية الوصول إلى الائتمان والمساعدات. ونتيجة لذلك، تُنتج الصدمة المناخية ذاتها استجابات تكيّف أشد قسوة (مثل بيع الأصول، والتسرّب المدرسي، والزواج المبكر، والهجرة الدائمة)، مما يُضعف تماسك المجتمع ويُضخّم الآثار الاجتماعية للتغير البيئي.
تظهر الدراسة بأن الهجرة البيئية تتبع أنماطاً ديموغرافية محددة وليست نزوحاً عشوائياً. وتشير البيانات المتاحة والمقابلات الميدانية إلى أن المزارعين والرعاة هم الأكثر احتمالاً للانتقال، وغالباً ما تكون حركة التنقل من المناطق الريفية إلى البلدات والمدن القريبة ضمن المحافظة نفسها. وفي كثير من الحالات، تكون هذه الحركة تكيفية ومؤقتة؛ إذ تنتقل العائلات للتعامل مع الضغوط البيئية، وتحافظ على روابط وثيقة مع مجتمعاتها الأصلية، ثم تعود عندما تتحسن الظروف.
تشير جهود العراق الرسمية للتكيّف مع تغيّر المناخ – التي تقودها وزارات البيئة والموارد المائية والزراعة – إلى أنها لا تزال في معظمها مدفوعة بالسياسات العامة وتعاني من نقص في الموارد. وبينما تتوقع المجتمعات المحلية عادةً أن تستجيب السلطات المحلية والمحافظات لنقص المياه وتعطل الخدمات المرتبط بالمناخ، فإن المحافظات تمتلك ميزانيات تقديرية وصلاحيات محدودة، مما يقيّد قدرتها على تقديم استجابات فعّالة أو في الوقت المناسب. في ظل هذا الفراغ، أصبحت أنظمة الحوكمة غير الرسمية بالغة الأهمية؛ إذ يتولى الوسطاء القبليون، والسلطات الدينية، واللجان المجتمعية إدارة نظام تناوب المياه، وحقوق الرعي، وتسوية النزاعات. ففي ديالى، يتم التفاوض أسبوعياً بشأن استخدام القنوات المائية بين ممثلي العشائر. وفي جمجمال، ووفقاً لمسؤول في الحكومة المحلية، تأثرت 300 قرية من أصل 440 بالجفاف وشحّ المياه، من دون تخصيص موازنات محددة للاستجابة لاحتياجاتها.
تتباين الاتجاهات البيئية عبر المحافظات الأربع. فمحافظتا ديالى وكركوك، الواقعتان في شمال العراق، تعانيان من أشد ضغوط الجفاف وعجز المياه، إذ سجّلت ديالى أعلى عدد من أحداث النزاع المرتبطة بالمناخ في العراق، وغالباً ما ارتبطت بخلافات الري وانقطاعات الخدمات. أما نينوى، الواقعة أيضاً في شمال البلاد، فتواجه موجات جفاف متكررة، وتراجعاً في الغطاء النباتي، وعواصف ترابية متكررة، مما ألحق دماراً بالزراعة وزاد من مخاطر التصحر. وفي حين تُعد السليمانية أكثر اعتدالاً من حيث البرودة والرطوبة نسبياً، فإنها لا تزال تعاني من نقص المياه، والتوسع الحضري السريع، والفيضانات الدورية التي تعطل البنية التحتية وسبل العيش. وفي جميع المحافظات، يستمر تذبذب معدلات الأمطار، كما يتجاوز استخدام المياه معدلات التجدد الطبيعي، دون تسجيل أي سنوات فائض بين عامي 2014 و2024، مما يؤكد حالة الشحّ المزمن في المياه.
ومن المتوقع أن يشهد العراق ارتفاعاً يفوق المتوسط العالمي في درجات الحرارة خلال العقود المقبلة، مما يزيد من الضغوط المناخية في سياق بيئي هش أصلاً. ووفقاً للنماذج المناخية العالمية، يُتوقع أن يسخن العراق بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، رغم وجود نطاق كبير من عدم اليقين بين النماذج المختلفة. وتشير توقعات مجموعة CMIP6 الصادرة عن بوابة معرفة تغير المناخ التابعة للبنك الدولي إلى أن العراق قد يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بنحو +1.1 درجة مئوية بحلول ثلاثينيات القرن الحالي، ونحو +1.9 درجة مئوية بحلول خمسينياته.
وتوصي المنظمة بضرورة دعم توسيع ممارسات إدارة المياه القائمة على المجتمع المحلي، مثل نظام الريّ بالتناوب واستخدام المضخات العاملة بالطاقة الشمسية في كركوك ونينوى، مع ضمان وجود ضوابط تمنع استنزاف المياه الجوفية، مع الاستثمار في ربط أنظمة رصد الأمطار والمياه على المستوى المحلي بنظام الإنذار المبكر الوطني للجفاف، ودعم نشر التحذيرات عملياً إلى المجتمعات المحلية والسلطات المحلية. إضفاء الطابع المؤسسي على التنسيق وإنشاء آلية دائمة للتنسيق في مجالي المناخ والمياه بصلاحيات مشتركة في إعداد الموازنات، لتحسين التخطيط وتبادل المعلومات والاستجابة للأزمات، مع إمكانية تعميق التعاون بمرور الوقت.
عن موقع ريليف ويب الدولي

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

مقالات ذات صلة

«الإطار» يفكر بـ«لاعب ظل»: لن يتكرر خطأ حكومة عبد المهدي
سياسية

«الإطار» يفكر بـ«لاعب ظل»: لن يتكرر خطأ حكومة عبد المهدي

بغداد/ تميم الحسن بدأت أجنحة داخل «الإطار التنسيقي» تدفع باتجاه العودة إلى ما يُعرف بـ»لعبة الظل» للخروج من مأزق «فيتو ترامب» على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة. ورغم أن التحالف الشيعي سبق أن جرّب...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram