متابعة / المدى
تبنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب نبرة احتفالية خلال خطابه السنوي عن حالة الاتحاد، معلناً تدشين "عصر ذهبي" جديد للولايات المتحدة، في محاولة لترسيخ صورة النجاح الاقتصادي في لحظة سياسية حرجة. وأمام جمع من المشرعين في مبنى الكابيتول، استعرض ترمب حصيلة عامه الأول منذ عودته إلى البيت الأبيض، مشدداً على أن الأمة باتت "أكبر وأفضل وأغنى وأقوى من أي وقت مضى"، وهو الخطاب الذي استمر لمدة ساعة و47 دقيقة، مسجلاً رقماً قياسياً كأطول خطاب رئاسي في تاريخ هذه المناسبة. واستجابة لضغوط حلفائه في الحزب الجمهوري الذين يتحضرون لانتخابات التجديد النصفي الصعبة في تشرين الثاني المقبل، ركز ترمب في الساعة الأولى من خطابه المتلفز على الملف الاقتصادي. وأكد الرئيس أنه نجح في كبح جماح التضخم، ودفع سوق الأسهم إلى مستويات قياسية، وتمرير تخفيضات ضريبية شاملة، فضلاً عن خفض أسعار الأدوية. وبينما قوبلت تصريحاته بهتافات "أميركا، أميركا" من الجانب الجمهوري، التزم الديمقراطيون صمتاً تاماً، في إشارة واضحة إلى الانقسام العميق الذي يسود الساحة السياسية الأميركية. الاقتصاد بين لغة الأرقام والواقع المعيشي في استهلاله للملف الاقتصادي، أعلن ترمب أن التضخم "يتراجع بشدة"، وهو ادعاء يأتي في وقت لا تزال فيه أسعار المواد الغذائية والإسكان والمرافق أعلى بكثير من مستويات ما قبل سنوات قليلة. ورغم تأكيده أن "الاقتصاد يزدهر كما لم يزدهر من قبل"، إلا أن البيانات الرسمية تظهر صورة أكثر تعقيداً؛ فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 2.4% في كانون الثاني الماضي، وهو انخفاض طفيف عن نسبة 2.7% المسجلة في كانون الأول، لكنه يظل فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وعلى صعيد الثقة الشعبية، أظهر استطلاع رأي أجرته "رويترز/إبسوس" أن 36% فقط من الأميركيين راضون عن إدارة ترمب للاقتصاد، فيما أشار استطلاع آخر لمركز "يوغوف/ماركتووتش" إلى أن 47% من المستطلعة آراؤهم يشعرون بتراجع قدرتهم الشرائية منذ كانون الثاني 2025. وفي هذا السياق، شن ترمب هجوماً لاذعاً على سلفه جو بايدن، متهماً إياه بترك "أسوأ تضخم على الإطلاق"، ومؤكداً أنه يعمل على إنهاء "التضخم الهائل في أسعار الأدوية الموصوفة".
تناقضات في البيانات والاستثمارات
تضمن الخطاب عرضاً لمؤشرات اقتصادية واجهت تشكيكاً من قبل خبراء ومحللين. فقد تحدث ترمب عن استثمارات تقدر بنحو 18 تريليون دولار، في حين تشير البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للبيت الأبيض إلى نحو 9.7 تريليون دولار.
كما أشار الخبير الاقتصادي جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة "Cedra Markets"، إلى أن سوق العمل شهد إضافة 181 ألف وظيفة فقط في عام 2025، وهو ما يعد من أضعف معدلات النمو منذ الجائحة، لافتاً إلى أن النمو الاقتصادي في الربع الرابع بلغ 1.4% فقط، ما يعكس تباطؤاً ملحوظاً. من جانبه، أوضح المحلل الاقتصادي صليبي أن الارتفاع التاريخي لأسواق الأسهم مدفوع بشكل أساسي بطفرة الذكاء الاصطناعي أكثر من كونه انعكاساً لنمو شامل، محذراً من أن الدين العام الذي يقترب من 40 تريليون دولار والعجز المالي المتسع يمثلان مخاطر هيكلية كامنة.
الطاقة والرسوم الجمركية: تحدي القضاء
في ملف الطاقة، كشف ترمب عن تلقي الولايات المتحدة أكثر من 80 مليون برميل من النفط من فنزويلا منذ إطاحة واشنطن بـ نيكولاس مادورو، واصفاً فنزويلا بـ "الشريكة الجديدة". كما أعلن عن زيادة في إنتاج النفط الأميركي بمقدار 600 ألف برميل يومياً.
أما في قضية الرسوم الجمركية، فقد أظهر ترمب تحدياً صريحاً للمحكمة العليا التي أبطلت يوم الجمعة الماضي نظامه للرسوم الجمركية الشاملة. ورغم وصفه للحكم بأنه "مؤسف"، إلا أنه فرض ضريبة عالمية بنسبة 10% قبل ساعات من الخطاب استناداً إلى قانون مختلف. وأكد ترمب أمام أربعة من قضاة المحكمة الذين حضروا الجلسة، أن الرسوم الجمركية ستحل محل نظام ضريبة الدخل الحالي بشكل كبير، مدعياً أنها ستخفف العبء المالي عن المواطنين.
الهجرة والتوتر تحت القبة
شهد الخطاب ذروة التوتر عند انتقال ترمب إلى ملف الهجرة، حيث كرر اتهاماته للمهاجرين غير الشرعيين بالمسؤولية عن موجة جرائم عنيفة، وهو ما قوبل باحتجاج صارخ من النائبة الديمقراطية إلهان عمر التي صرخت في وجهه قائلة: "لقد قتلت أميركيين!"، في إشارة إلى مقتل مواطنين برصاص عناصر وكالات اتحادية في منيابوليس. وانتقد ترمب الديمقراطيين لرفضهم تمويل وزارة الأمن الداخلي، متهماً إياهم بالخجل من مواقفهم، بينما تشير الاستطلاعات إلى أن غالبية الأميركيين يعتقدون أن حملته على الهجرة قد تجاوزت الحدود القانونية والإنسانية.
وعلى صعيد مكافحة المخدرات، زعم الرئيس أن تدفق مخدر "الفنتانيل" عبر الحدود انخفض بنسبة قياسية بلغت 56% خلال عام واحد، كما دعا إلى سن تشريع يحظر على أعضاء الكونغرس وعائلاتهم تداول الأسهم، موجهاً انتقاداً ضمنياً لرئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي.
السياسة الخارجية والملف الإيراني
تجنب ترمب الخوض عميقاً في الشؤون الخارجية، لكنه خصص حيزاً للملف الإيراني، متهماً طهران بتطوير صواريخ قادرة على تهديد أوروبا والقواعد الأميركية، والعمل على بناء صواريخ عابرة للقارات. وبينما أكد أن خياره المفضل هو الحل الدبلوماسي، شدد على أنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وفي رد فعل سريع، نفت وزارة الخارجية الإيرانية هذه الاتهامات، واصفة إياها بـ "الأكاذيب الكبرى". واختتم ترمب خطابه بدعوة الكونغرس لإقرار قوانين تلزم الناخبين بإبراز وثائق الهوية، متحدثاً عن "تزوير واسع" في الانتخابات والمساعدات الاجتماعية دون تقديم أدلة ملموسة. وفي الوقت الذي قاطع فيه أكثر من 20 نائباً ديمقراطياً الجلسة، وصفت المعارضة الديمقراطية، على لسان تشاك شومر وأبيغيل سبانبرغر، رؤية الرئيس بأنها "منفصلة عن الواقع"، محذرين من أن التحديات الهيكلية للاقتصاد الأميركي لا تزال قائمة خلف ستار التصريحات المتفائلة.










