علي حسين
كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ، التي لم يكن يدّعي فيها البطولة والشجاعة ، لكنه كان يتحدث عن قدرته على إيجاد الحلول لكل شيء، في السياسة والاقتصاد والامن ، ويقدمها لكبار القوم مجانا ، إضافة الى أحاديث عن مغامراته في السفر والمغامرات التي تفوق حدود المبالغة والخيال ، ولم تكن شخصية إبراهيم عرب خيالية، بل هي مجموعة ملامح للبغدادي ، الذي كان يعتمر الجرّاوية ويلبس الصاية ، ويحمل مسبحة يحركها بين أصابعه ، كان يُضحك الناس، كلما سمع حكاية تجري أحداثها في الهند أو السند أو بلاد الواق واق ، يعرّقها وينسبها إلى نفسه .
وفي حالة الخراب التي عمّت العراق في العقود الاخيرة ، اختفت شخصية إبراهيم عرب ، وتُركت النكتة يتداولها ثقلاء السياسيين ، ومسؤولون فاقدون الغيرة الوطنية ، وحلّت الكواتم محلّ مبالغات إبراهيم عرب . وفقدت بغداد مكانتها مدينة للفرح والحياة والبهجة ، وبقيت فقط " نوائب " البرلمان ابتداءً بصاحبة الحذاء الذهبي وليس انتهاءً بصاحبات العواء الطائفي .
في صبيحة كل يوم مطلوب منا ان نضحك على حالنا ، ونحن نستمع لعدد من سياسيينا ومسؤولينا، وهم يتحدثون عن النزاهة والعدالة والقانون وحب الوطن ، وأسأل العديد من الزملاء: ما هي اخر نكتة ؟ فيأتي الردّ ساخراً مع إحالة "جنابي " إلى خطابات النواب عن الانسداد السياسي ، وعن النزاهة ،
في بلاد الواق واق "العراق" لدينا إعلام يوجه أطناناً من تهم الفساد كل لحظة للعديد من المسؤولين، لكن معظمهم يطبقون حكمة "لا أرى لا أسمع لا أتكلم" ومفادها ترك الإعلام يتحدث كما يشاء حتى لو كان الفساد مقروناً بوثائق، بل إن بعض الفاسدين يتباهون علناً بفسادهم.
لا تسأل عن الفشل السياسي وغياب الخدمات وانتشار البطالة في مدن العراق ، يرفض ساستنا الكرام حديث الخيبة والفشل، فهم مصرّون على أن يملأوا الشاشات بخُطب ومعارك ناريّة من اجل مصالحهم الشخصية .في صبيحة كل يوم مطلوب منك أيها العراقي "المسكين" أن تضحك على حالك، وتردد مع أبي العلاء: ضَحِكنا، وكان الضّحكُ منّا سفاهةً
وأذكر جيداً عندما هبّت رياح الإصلاح على برلماننا "العتيد"، وما تبعها من خطابات وأهازيج انتهت إلى اتفاقات، توهم خلالها المواطن البسيط بأن الأمور قد حسمت لصالحه، غير أنه ثبت للجميع أن "المتغطي بالبرلمان عريان" كما يقول المثل المصري ..
تاريخ الضحك مليء بالطرائف ووحكايات ابراهيم عرب ، لكن أغلظها ستظل بالتأكيد تصريحات نوابنا ومسؤولين يتصرفون مع أخبار الخراب، وكأنها تجري في كوكب آخر.









