بغداد / محمد العبيدي
أثارت الرسوم الجديدة التي فُرضت على خدمات اتصالات الهاتف المحمول والإنترنت، إلى جانب استحداث جباية قدرها 6 آلاف دينار لإضافة الطفل إلى البطاقة التموينية الإلكترونية، موجة استياء واسعة في الشارع العراقي، في ظل ضغوط معيشية متراكمة، وتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من الموظفين وأصحاب الدخل المحدود. والقرار القاضي بإعادة استقطاع نسبة 20% من أسعار باقات الإنترنت، استناداً إلى توجيه وزارة الاتصالات لشركات الخدمة، دخل حيز التنفيذ اعتباراً من 23 شباط 2026، مع نص صريح باحتساب النسبة "على كل مستخدم فعّال من سعر بيع الباقة".وبحسب الوثيقة المتداولة، فإن الشركات مُلزمة بتسديد النسبة إلى الشركة العامة للاتصالات والمعلوماتية، على أن تُستقطع فعلياً من المشتركين أنفسهم.
وفق ذلك، سيرتفع الاشتراك الذي كان يبلغ 35 ألف دينار إلى نحو 47 ألفاً، فيما صعد اشتراك 45 ألف دينار إلى 54 ألفاً، بينما قفزت الباقات الأعلى إلى ما يقارب 156 ألف دينار. تأتي هذه الزيادة بعد جدل سابق بشأن ضريبة بطاقات التعبئة التي أُلغيت عام 2022 وسط اتهامات للشركات بتحميل المواطن كلفتها، قبل أن تعود اليوم الصيغة نفسها ولكن بقرار رسمي مباشر.
وفي موازاة ذلك، أعلنت وزارة التجارة إطلاق خدمة إضافة الأطفال دون سن 12 عاماً إلى البطاقة التموينية الإلكترونية عبر تطبيقها، مقابل رسم جباية مقداره 6,000 دينار عن كل طفل. ورغم أن الإجراء قُدم باعتباره خدمة رقمية، فإن الرسوم المرافقة له أثارت تساؤلات بشأن مبرراتها في ظل كون البطاقة التموينية برنامج دعم اجتماعي موجهاً أساساً للأسر محدودة الدخل.
إصلاح مالي أم جباية سهلة؟
وتأتي هذه الإجراءات ضمن سياق أوسع تتحدث فيه الحكومة عن تنويع الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد على النفط الذي يشكل أكثر من 90% من موارد الموازنة.
غير أن مراقبين يرون أن المسار الحالي يركز على أدوات سريعة التحصيل تمس الاستهلاك المباشر للمواطنين، من دون معالجة جذرية للاختلالات البنيوية في المالية العامة.
وقال الخبير الاقتصادي حيدر سلمان، لـ(المدى)، إن "الإصلاح المالي الحقيقي لا يختزل بفرض رسوم جديدة أو زيادة الضرائب على الاستهلاك، بل يبدأ بإعادة هيكلة الإنفاق العام وضبط الهدر ومكافحة الفساد الإداري والمالي". وأضاف أن "تنويع الإيرادات هدف مشروع وضروري، لكن ينبغي أن يتم عبر توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحفيز القطاعات غير النفطية، لا عبر تحميل كلف إضافية على دخول ثابتة أصلاً تعاني من التضخم".
فجوة بين الدخل والكلفة
وفق تقديرات اقتصادية متداولة، فإن متوسط الرواتب الشهرية في العراق يقل عن 750 ألف دينار، في وقت ترتفع فيه كلف الإيجار والكهرباء الخاصة والمياه والنقل.
ومع إضافة رسوم الاتصالات والبطاقة التموينية وغيرها من الرسوم الخدمية، تتسع الفجوة بين الدخل والنفقات الفعلية، خصوصاً لدى الموظفين بعقود مؤقتة أو العاملين في القطاع الخاص غير المستقر.
ولا يقتصر الجدل الدائر على رقم الـ20% أو مبلغ الـ6 آلاف دينار، بل يمتد إلى فلسفة السياسة المالية نفسها، وفيما إذا كانت الدولة تتجه نحو إصلاح هيكلي طويل الأمد يعيد تعريف دورها، أم أنها تلجأ إلى توسيع قاعدة الرسوم الاستهلاكية باعتبارها الأسهل تحصيلاً. ويؤكد الباحث المالي والاقتصادي حيدر الشيخ أن "الحكومة تحاول تنويع مصادر الإيرادات عبر تعزيز الموارد غير النفطية"، مشيراً إلى أن "هذه الإيرادات كانت تبلغ نحو 13 تريليون دينار سنوياً، لكنها انخفضت في عام 2025 إلى قرابة 10 تريليونات دينار، ما فرض ضغوطاً إضافية على المالية العامة". وأضاف لـ(المدى) أن "الحكومة وضعت خطة تمتد لأربع سنوات بهدف تعظيم الإيرادات غير النفطية ورفعها تدريجياً لتصل إلى نحو 20 تريليون دينار سنوياً، في إطار مساعٍ لتقليل الاعتماد شبه المطلق على عوائد النفط".
20 % على الاتصالات و6 آلاف لكل طفل.. موجة رسوم جديدة تضرب دخل العراقيين

نشر في: 26 فبراير, 2026: 12:03 ص









