بغداد / كريم ستار
في قلب بغداد القديمة، حيث تتشابك الأزقة وتختزن الجدران ذاكرة قرون، يقف منزل وُلدت فيه رائدة الشعر العربي الحديث، من دون لافتة أو تعريف. في منطقة “العاقولية”، تحوّل بيت الشاعرة نازك الملائكة إلى مخزن للأحذية والبضائع، في مشهد أثار موجة غضب واسعة في الأوساط الثقافية وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
يقع المنزل بين شارعي الرشيد والجمهورية وامتداد شارع الأمين، ضمن منطقة تتخذ هيئة نصف دائرة. ويؤكد أبناء “العاقولية” أنها كانت تمثل أحد أبرز معالم بغداد التراثية. تاريخياً، عُرفت المنطقة في العصر العباسي باسم “درب الخبازين”، وكانت جزءاً من محلة سوق الثلاثاء. غير أن هذا الإرث لم يحُل دون تعرّض بيوتها التراثية لزحف تجاري حوّل الكثير منها إلى مخازن، بعدما كانت شاهدة على ولادة نازك الملائكة عام 1923.
ويقول الشيخ عدنان العزاوي، إمام جامع العاقولي، إن المنزل شهد ولادة الشاعرة قبل انتقال عائلتها إلى الكرادة عام 1930. ويضيف أن باحثين ومثقفين رصدوا الموقع لاحقاً، ليجدوه اليوم مغلقاً بقفل وسلسلة، تغطيه الأتربة، وتتكدس أمام بابه “كراتين” الأحذية.
تحويل المنزل إلى مخزن لم يمر من دون ردود فعل. فقد تداول ناشطون صوراً للبيت المتهالك، منتقدين ما وصفوه بإهمال الجهات المعنية. واعتبر مثقفون أن ما جرى يمثل “اغتيالاً” رمزياً لقامة أدبية رفعت اسم العراق في المحافل الدولية. الأكاديمي والكاتب باسم الجنابي دعا “الحكومة والقطاع الخاص ووزارة الثقافة واتحاد الأدباء إلى التدخل العاجل لإنقاذ هذا الرمز”، مضيفاً أن “الاعتناء برموز العراق الوطنية واجب لحماية الهوية”.
من جهته، أعرب الدكتور عقيل مهدي، عميد كلية الفنون الجميلة السابق، عن أسفه، قائلاً: “يجب أن يكون لنازك بيت يليق بمقامها. المطالبة ليست لترميم جدران فقط، بل لاستعادة كرامة الثقافة العراقية”. ولا تقتصر المشكلة على منزل الملائكة وحده، إذ تشهد المنطقة المحيطة به تراجعاً في أوضاع البيوت التراثية ذات الشناشيل والزخارف، التي بدأت تتحول إلى مخازن تجارية. ويشير متابعون إلى أن غياب الرقابة الصارمة يسهم في تغيير طبيعة الاستخدام السكني التراثي إلى نشاطات تجارية. في المقابل، أوضح مدير قسم الإعلام في الهيئة العامة للآثار والتراث، أحمد عبد الرحمن، أنه “لا توجد مؤشرات رسمية على هدم المنزل”، مؤكداً أنه مسجل ومشمول بالحماية. وأضاف أنه “في حال حدوث أي تجاوز، ستتخذ الهيئة إجراءاتها القانونية فوراً”، لافتاً إلى إدراج البيت ضمن برنامج دائرة التراث لتشكيل لجنة كشف ومعالجة المخالفات. وبيّن أن الهيئة نجحت سابقاً في تحويل عدد من البيوت التراثية إلى منتديات ثقافية أو متاحف، لكنه أقر بوجود تحديات تتعلق بقلة التخصيصات المالية التي تعيق عمليات الترميم، مع استمرار التنسيق مع شرطة الآثار لرفع التجاوزات.
وفي محاولة للحصول على رد رسمي، تواصلت مؤسسة “المدى” مع المتحدث باسم أمانة بغداد، عدي الجنديل، من دون تلقي إجابة حتى لحظة إعداد التقرير. نازك الملائكة (1923-2007) تُعد من أبرز رواد الشعر الحر في العالم العربي، إذ أحدثت تحولاً في بنية القصيدة التقليدية عبر قصيدتها “الكوليرا” عام 1947. ويؤكد مثقفون أن ترك منزلها عرضة للإهمال يمثل إخلالاً بقيمة إرثها الأدبي. واقترح ناشطون حلولاً لمعالجة الوضع، منها تحويل ملكية المنزل إلى الدولة ومنع التصرف به تجارياً، وإعادة تأهيله مع الحفاظ على طرازه المعماري، وتحويله إلى متحف أو مزار ثقافي يضم مقتنيات الشاعرة ومكتبتها، على غرار منزل الشاعر مهدي الجواهري. ويرى متابعون أن إنقاذ المنزل يتجاوز مسألة الترميم، ليشكل اختباراً لمدى التزام الجهات المعنية بحماية الذاكرة الثقافية لبغداد القديمة.










