ميسان / مهدي الساعدي
أعلن ناشطون أهواريون من أبناء محافظة ميسان عن جفاف آخر معقل مائي في هور الحويزة، بعد أن أحجمت المياه عن الوصول إليه لإنقاذ الأحياء المائية التي اتخذته ملجأً للهروب من جفاف مقتربات الهور، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة ومتنوعة منها، بسبب عدم وصول إطلاقات مائية لإنقاذها.
واعتبر ناشطو البيئة من أبناء المحافظة أن موت الأحياء المائية في تلك البقعة الصغيرة يُعدّ بمثابة إبادة للكائنات الموجودة فيها، نتيجة عدم إيجاد حلول لأزمة الجفاف القاتلة.
تُعد «أبو عذبة» آخر نقطة مائية في هور الحويزة، كونها أعمق نقطة فيه، إذ تنحسر إليها المياه عند الجفاف، وتُعدّ ملجأً طارئًا تتجه إليه الكائنات المائية عند اشتداد خطر الجفاف. ويقول الناشط البيئي والأهواري مرتضى الجنوبي لصحيفة «المدى»: «تُعد أبو عذبة أعمق نقطة داخل هور الحويزة، وعند جفاف الهور تتجه جميع الكائنات الحية نحوها، وتصل نسبة الإغمار في هذه النقطة إلى 15 مترًا في الظروف الطبيعية، وعند الجفاف تصل إلى 7 أمتار. وعند لجوء الكائنات الحية إليها، تتخذ منها ملجأً مؤقتًا لحين عودة المياه إلى الأهوار، سواء عبر الإطلاقات المائية أو السيول».
وأكد أن «أكثر من موسمين مرا من دون أن تشهد أهوار ميسان وصول أي إطلاقات مائية، وبالخصوص هور الحويزة، ما أدى إلى إبادة جميع الأحياء التي لجأت إليه، بسبب انحسار المياه في هذه النقطة».
وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي تداول أنباء عن موت آخر معقل مائي في الأهوار، إذ انتشرت مقاطع فيديو تناقلها ناشطون وأبناء الأهوار تُظهر نفوق أعداد كبيرة من الأحياء المائية، رافقتها تدوينات عديدة توثق تلك المشاهد. واطلعت صحيفة «المدى» على عدد منها، حيث ذكر المدوّن هشام حسين في تدوينة على صفحته الشخصية أن «هذه بقايا أكبر هور في العراق، والذي تُقدّر مساحته بنحو 3000 كم²، وتشير إلى أن عصر الأراضي الرطبة في العراق يوشك على الانتهاء، وقد تضرر معها التنوع البيئي والأحيائي، فضلاً عن فقدان هوية وثقافة سكان الأهوار. كل ذلك نتيجة سياسات حكومية خاطئة على مدى السنوات الماضية».
ويُعد أبناء الأهوار شهودًا على الكوارث التي شهدتها مناطقهم منذ سنوات، وعلى الرغم من تنظيمهم وقفات احتجاجية عدة، فإنهم ما زالوا يعيشون تبعات الأزمة، وسط مخاوف متزايدة من الهجرة وترك مناطقهم بسبب الجفاف القاسي. وعن الكارثة البيئية التي شهدتها «أبو عذبة»، يقول كاظم غالي، أحد أبناء الأهوار، لصحيفة «المدى»: «أعمق نقطتين في هور الحويزة، وبالتحديد في بركة أم نعاج، هما الدوب وأبو عذبة، وتُعدّان من أكبر الأماكن التي تتواجد فيها الأحياء المائية والأسماك. ونتيجة لانقطاع المياه عنهما، ماتت جميع تلك الأحياء بسبب تغير صفات المياه، كما حصل في العديد من الأماكن خلال الفترة السابقة، والسبب يعود إلى انعدام وصول المياه إلى تلك النقاط من ناظم الماجدية».
وأضاف: «الكوارث التي شهدناها ليست جديدة علينا، وتعود إلى السنوات الأولى التي اشتد فيها الجفاف، وبالتحديد منذ عام 2021، حيث نفوق الأسماك والجواميس، ليصل الدور إلى أبو عذبة التي تُعدّ من أعمق نقاط هور الحويزة، لكنها اليوم عبارة عن تجمعات صغيرة من المياه الضحلة الملوثة، إذ لا يتجاوز عمقها مترًا واحدًا، ما أدى إلى نفوق الأسماك».
في المقابل، تشير تصريحات مديري الدوائر المختصة إلى وجود زيادة في الإطلاقات المائية الواصلة إلى أنهار المحافظة، مع توجيه قسم منها نحو مغذيات الأنهار. وفي هذا السياق، قال مدير الموارد المائية في المحافظة، المهندس علاء فيصل جمعة، في تصريحات صحفية تابعتها «المدى»: «فيما يخص الوضع المائي والإطلاقات المائية الواصلة إلى محافظة ميسان، فإن هناك زيادة في الإطلاقات الواصلة إلى المحافظة، حيث تمت زيادتها من مؤخر سدة الكوت، وإن وزارة الموارد المائية وضعت برنامجًا خاصًا لتأمين مياه الشرب، إضافة إلى إنجاح الخطة الزراعية للموسم الشتوي الحالي».
وأشار إلى أن «مديرية الموارد المائية اتخذت جميع الإجراءات للاستفادة من هذه الإطلاقات بتوجيهها إلى مغذيات الأهوار، وأهمها نهرا المشرح والكحلاء، حيث تمت زيادة الإطلاقات باتجاه نهر الكحلاء، مع تنفيذ حملات لإزالة التجاوزات على المغذيات».
كما نقلت صفحة مديرية الموارد المائية في المحافظة على مواقع التواصل جانبًا من الحملات التي تنفذها بإسناد القوات الأمنية لإزالة التجاوزات الحاصلة على الأنهار ومغذيات الأهوار «التي تؤثر سلبًا في انسيابية المياه وتؤدي إلى الإخلال بعدالة التوزيع بين المستفيدين، وتأتي هذه الإجراءات لضمان وصول المياه إلى جميع المناطق وفق الجداول المعتمدة، والحفاظ على الثروة المائية من الاستنزاف والتجاوزات غير القانونية»، بحسب المكتب الإعلامي للمديرية.
من جانبهم، حمّل أبناء الأهوار والناشطون الحكومة مسؤولية الكوارث البيئية المتكررة في مناطق الأهوار الجافة، لعدم وجود جهد حكومي كافٍ لإنقاذ السكان من تداعيات الجفاف، على الرغم من إدراج تلك المناطق ضمن اتفاقيات دولية. وفي هذا السياق، قال الناشط البيئي والأهواري مرتضى الجنوبي لصحيفة «المدى»: «تُعد أبو عذبة الحاضنة الأخيرة لهور الحويزة، وقد انتهت اليوم بشكل كلي، في إبادة بيئية لجميع الكائنات الحية التي كانت قد لجأت إليها هربًا من الجفاف».
وأضاف: «نحن، كسكان أهوار وناشطين ومهتمين بالشأن البيئي، نحمل الحكومة مسؤولية الإبادات التي تحدث بين فترة وأخرى بشكل متكرر، وعدم وجود أي جهد حكومي يُذكر لحماية المناطق الطبيعية والكائنات الحية التي تعيش فيها، إذ إن الحكومة ملزمة بحماية تلك الكائنات بعدما أدرجت الأهوار ضمن اتفاقيات دولية».
جفاف «أبو عذبة» يعلن انهيار آخر ملاذ مائي في هور الحويزة

نشر في: 1 مارس, 2026: 12:07 ص









