بغداد/ تميم الحسن
حتى الساعة التاسعة من صباح أمس، كانت أوساط نوري المالكي – المرشح الوحيد لرئاسة الحكومة – تنفي نيته الانسحاب من السباق، رغم لقاء نادر جمعه بالمبعوث الأمريكي توم باراك. لكن، وبحسب مصادر سياسية، اهتزت هذه المواقف بعد دقائق فقط من تطورات إقليمية متسارعة.
فمع بدء الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي المفاجئ على إيران، كشفت مصادر قريبة من «الإطار التنسيقي» لـ(المدى) عن «اتصالات عاجلة بين قادة التحالف الشيعي ربطت أزمة تشكيل الحكومة بما يجري في إيران». وأشارت إلى أن تلك الاتصالات تضمنت «تأكيدات بضرورة منع الفصائل من التحرك، وسحب المالكي لترشيحه كرسالة بعدم الانجرار إلى الحرب».
وفي وقت لاحق من صباح أمس، أُعلن عن مقتل وإصابة خمسة أشخاص جراء هجوم في منطقة جرف الصخر، جنوب بغداد، بحسب بيان للقيادة العسكرية وهيئة الحشد الشعبي.
وأكدت البيانات أن المنطقة تعرضت «لعدة ضربات جوية»، من دون تحديد الجهة المنفذة أو الهدف. وتُعرف جرف الصخر بأنها خاضعة لسيطرة فصائل عراقية مقربة من طهران، أبرزها «كتائب حزب الله».
وقال سياسي عراقي إن على بغداد إعلان «حالة الطوارئ»، معتبراً أن واشنطن تمهد لولاية ثانية لمحمد السوداني.
وكان العراق قد أغلق أجواءه صباح أمس، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء «عمليات قتالية كبرى» ضد إيران. وأفادت تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية بأن واشنطن نسّقت الهجوم مع تل أبيب، فيما ردت طهران باستهداف قواعد أمريكية في المنطقة.
وقبل ساعات من الهجوم، كان مكتب المالكي قد أكد تمسكه بالترشح. كما تسربت معلومات تفيد بأن المالكي أبلغ توم باراك، خلال لقائهما ليل الجمعة، بأن «الإطار التنسيقي هو الجهة الوحيدة المخولة باستبداله».
تحذيرات من التمدد الإقليمي
من جانبه، قال مثال الآلوسي، السياسي المستقل والنائب السابق، إن من «الخطأ الكبير» الاعتقاد بأن ما يجري خارج العراق لن ينعكس عليه سياسياً واقتصادياً وأمنياً. واعتبر أن ما يحدث «عملية جراحية كبرى تتجاوز معنى الحرب»، مشيراً إلى أن الهدف الأمريكي يتمثل في «إنهاء القدرات التسليحية الإيرانية والحرس الثوري داخل إيران».
وأضاف لـ(المدى) أن ترامب لوّح باستهداف «أتباع إيران» في المنطقة، مرجحاً أن تتعرض الفصائل العراقية الموالية لطهران لضربات إذا قامت بتحركات أمنية أو سياسية أو اقتصادية.
وكانت «كتائب حزب الله» العراقية قد دعت مقاتليها إلى الاستعداد لـ«حرب استنزاف طويلة» في حال أقدمت الولايات المتحدة على ضرب إيران، محذّرة واشنطن من «خسائر جسيمة». كما فتح الفصيل، قبل شهر، باب التطوع لتنفيذ ما وصفه بـ«عمليات استشهادية» دفاعاً عن إيران إذا اندلعت الحرب.
وفي تطور لاحق، تداولت منصات مقربة من الفصائل بياناً منسوباً إلى «كتائب حزب الله» يتضمن تهديداً بالبدء قريباً باستهداف القواعد الأمريكية رداً على ما وصفته بالاعتداء.
في المقابل، أكد وزير الخارجية فؤاد حسين موقف العراق «الرافض لتصاعد الأعمال العسكرية»، وذلك خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني عباس عراقجي، الذي أبلغه بأن الرد الإيراني سيستهدف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة «في إطار حق الدفاع عن النفس»، مؤكداً أن الضربات لا تستهدف الدول بل المواقع العسكرية.
وشدد حسين على أن «الحرب لا يمكن أن تكون وسيلة لحل المشكلات»، داعياً إلى الحوار والتهدئة حفاظاً على أمن واستقرار المنطقة.
تشكيل الحكومة.. بين 2006 واليوم
وفي ما يتعلق بأزمة تشكيل الحكومة، رأى الآلوسي أن مواقف المالكي وحلفائه الرافضة لـ«التدخل الأمريكي» تعيد إلى الأذهان ما جرى عام 2006، حين تلقت إدارة إبراهيم الجعفري، رئيس الوزراء الأسبق، رسالة أمريكية واضحة بعدم القبول به رئيساً للحكومة، قبل أن يُمهّد الطريق آنذاك لصعود المالكي.
وأشار إلى أن زيارة كوندوليزا رايس لبغداد آنذاك يمكن مقارنتها بزيارة توم باراك الحالية، معتبراً أن «التاريخ يعيد نفسه»، وأن الإدارة الأمريكية تبعث برسالة مفادها أن تشكيل حكومة بقيادة المالكي «غير مقبول».
وكان المالكي قد حاول إرسال رسائل تطمين إلى واشنطن عبر دعم توسيع عمل الشركات الأمريكية في العراق، إلا أن صورته لا تزال مرتبطة بقربه من طهران، بحسب ما تقوله المصادر السياسية.
في المقابل، ترى أوساط سياسية أن السوداني يبدو أكثر انسجاماً مع الاشتراطات الأمريكية، وقد أثبت قدرة نسبية على ضبط إيقاع الفصائل، خصوصاً إبان «حرب الـ12 يوماً» بين إيران وإسرائيل الصيف.
مخاوف من توسيع الحرب
ويرى الآلوسي أن الإصرار على فرض المالكي بعد اندلاع المواجهة العسكرية سيكون «مغامرة خطيرة»، وقد يدفع العراق إلى توسيع رقعة الحرب اقتصادياً ونفطياً وسيادياً، رغم أنه «ليس طرفاً مباشراً فيها».
وقال إن الرسالة الأمريكية منذ أمس واضحة بدعم العملية الديمقراطية في العراق عبر التمسك بالدستور والقضاء ومؤسسات الدولة، مشدداً على أن من يصرّ على فرض إرادة الفصائل وإيران على القرار العراقي «لا يريد سيادة البلاد».
ودعا إلى تحرك فوري من رئيس الوزراء لإعلان حالة الطوارئ، وضبط الأمن في بغداد والمدن الكبرى، وتوجيه البرلمان لاتخاذ قرارات «ذات سيادة» بعيداً عن تأثير السلاح، محذراً من أن الفشل في ذلك ستكون له تداعيات كبيرة.
وختم بالتأكيد على ضرورة أن تكون الرسائل السياسية إلى واشنطن واضحة بأن العراق لا يريد التضحية بمصالحه ولا أن يكون جزءاً من حرب إقليمية مفتوحة.









