بغداد / محمد العبيدي
ألقت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بظلالها سريعاً على مجمل الأوضاع في العراق، ولا سيما الجانب الاقتصادي، إذ عادت المخاوف المرتبطة بأسواق الطاقة وحركة الإمدادات إلى الواجهة، مع تصاعد القلق من تأثير أي اتساعٍ في رقعة المواجهة على صادرات النفط، وطرق الشحن، واستقرار السوق المحلية، في بلد يعتمد بصورة شبه كلية على الاستيراد.
كما سجل سعر صرف الدولار، ارتفاعاً ملحوظاً في بورصة شارع الكفاح ببغداد ليتجاوز 160 ألف دينار لكل 100 دولار، إلى جانب ارتفاع أسعار الذهب الأجنبي والعراقي بشكل كبير في أسواق بغداد وأربيل. وفي مؤشر ميداني على انتقال "الصدمة» إلى الداخل، سجلت مدن عراقية بوادر أزمة وقود، فعلى سبيل المثال شهدت مدينة الفلوجة في محافظة الأنبار طوابير أمام محطات تعبئة الوقود للحصول على البنزين، في واقعة كشفت حساسية المزاج الشعبي تجاه أي تطور قد يقرأ بوصفه تهديداً مباشراً لسلاسل الإمداد أو حركة النقل بين المحافظات.
الحكومة تطمئن
في المقابل، حاولت الحكومة تقديم رسائل طمأنة لتخفيف الارتباك، إذ أكدت وزارة التجارة أن الوضع الغذائي في العراق "مستقر وتحت السيطرة»، ولا توجد مؤشرات تدعو للقلق بشأن توفر المواد الغذائية في الأسواق، بعد الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران.
وقال المتحدث باسم وزارة التجارة محمد حنون في بيان إن "الحكومة أولت ملف الأمن الغذائي اهتماماً كبيراً تحسباً للظروف الطارئة، وعملت خلال الفترة الماضية على تعزيز الخزين الاستراتيجي من المواد الأساسية ولا سيما الحنطة، إلى جانب مفردات البطاقة التموينية مثل الرز والسكر والزيت»، مؤكداً أن "المخزون جيد ويكفي لتلبية احتياجات المواطنين ضمن خطة تهدف لضمان استمرار التجهيز واستقرار السوق، مع متابعة يومية لحركة الأسواق لمنع الاستغلال وارتفاع الأسعار».
واقتصادياً، تبدو "حساسية الطاقة» هي العنوان الأبرز، فالعراق قد يستفيد حسابياً من ارتفاع أسعار النفط، لكنه في الوقت نفسه يواجه مخاطر اضطراب مسارات التصدير وحركة الشحن والتأمين، وما يرافق ذلك من ضغطٍ على الاستقرار الداخلي والأسعار، خصوصاً إذا دخلت الحرب مرحلة تستهدف فيها البنى الاقتصادية أو الممرات البحرية.
ماذا عن مضيق هرمز؟
ويحذر الخبير الاقتصادي صفوان قصي لـ(المدى) من أن "توسيع دائرة الحرب في الشرق الأوسط لتشمل أهدافاً اقتصادية واغلاق مضيق هرمز، سيقود إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ويجعل بغداد أمام اختبار إدارة المخاطر لا مجرد مراقبة الأرقام».
ويرى قصي أن "العراق يحتاج إلى خيارات تخفف الصدمة المحتملة، من بينها التفاهم مع السعودية على ترتيبات تتعلق بتأمين الإمدادات في حال تعثر بعض المسارات، أو الاعتماد على احتياطيات البنك المركزي العراقي بما يضمن تمويل الإنفاق العام لفترة قد تتجاوز ستة أشهر إذا دخلت الأزمة مرحلة ضغط حاد». ويذهب قصي أبعد من ذلك في الحديث عن بدائل لوجستية، عبر "توسيع منافذ التصدير باتجاه تركيا من خلال استغلال خط كركوك جيهان وقدرته الاستيعابية، مع إمكانية تعزيز التصدير بالشاحنات نحو الأردن أو الكويت أو تركيا بحسب تطورات الوضع الأمني والتجاري».
تحذيرات من السيناريو الأخطر
في هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون السياسية محمد نعناع لـ(المدى) إن "العراق يجب أن يستعد لتداعيات الحرب على إيران وعواقبها، وخصوصاً في حالة اتساع نطاق الحرب، أو فقدان النظام الإيراني السيطرة على الأوضاع الداخلية"، محذراً من أن السيناريو الأخطر يتمثل باحتمال دفع الحرب نحو تفكك داخلي واسع قد يفتح الباب أمام موجات نزوحٍ كبيرة باتجاه الحدود العراقية».
وأكد نعناع ضرورة "اتخاذ كافة الاحترازات الحقيقية لمواجهة التحديات والتهديدات المحتملة، بما يشمل الجاهزية الإدارية والأمنية وإدارة الموارد والخدمات في المحافظات القريبة من خطوط التماس».
وتبقى الأسواق العراقية، وفق متابعات ميدانية، في مرحلة "ترقب وتساؤلات» أكثر من كونها مرحلة أزمة فعلية، لكنها مرحلة قابلة للتحول سريعاً – وفق مراقبين – إذا استمرت الحرب واتسع نطاقها، خصوصاً مع حساسية المزاج الاستهلاكي تجاه الوقود والسلع الأساسية، ومع قابلية الشائعات لإشعال سلوك شراء مفرط يربك السوق حتى لو كانت المخزونات مستقرة.
طوابير البنزين والدولار أول الإشارات.. هل يدخل العراق نفق الارتباك الاقتصادي ؟

نشر في: 2 مارس, 2026: 12:02 ص









