علاء جواد كاظم
ليس هناك ما هو اخطر على امة من أن تتوهم أنها تتعلم، بينما هي في الحقيقة تعيد إنتاج الامية بطريقة أكثر تنظيما واناقة. فتردي التعليم لا يبدأ بانهيار جدران المدرسة، أو بنقص عدد القاعات الدراسية، بل يبدأ عندما يصبح المقرر الدراسي نصا يجب حفظه، والدروس روتين تنفذ، والشهادة هدفًا بحد ذاتها. عندها لا ينهار التعليم مباشرة، بل يتلاشى معناه يوما بعد يوم.
ويرى ابو حيان التوحيدي أن “خراب المعنى يحدث حين تنفصل الألفاظ عن الحقائق، ويغدو القول بلا روح، والعلم بلا حكمة”. وإذا نقلنا هذا المفهوم إلى الواقع التعليمي، فاننا نجد أن تدهور التعليم ليست الا امتدادا ممنهجا لخراب المعنى.
ففي نمط التعليم القائم على الحفظ، يحفظ الطالب التعريف دون ان يفهم سياقه، ويردد النظرية دون ان يختبرها، ويكتب الجواب النموذجي دون ان ينتج سؤالا. وهنا تنفصل المعلومة عن التجربة، وتتحول المعرفة الى الفاظ محفوظة، وكما وصفها التوحيدي: انفصال اللفظ عن الحقيقة. فيصبح الدرس كلاما محفوظا، لا حدثا معرفيا.
والمنهج الدراسي في اغلب مؤسسات التعليم التقليدي لا يبنى على سؤال: كيف تفكر؟ بل على سؤال: كم تحفظ؟ تُخزن المعلومات، وتُختزل المفاهيم في اوراق كثيرة، ويُختصر التعلم في القدرة على استرجاع ما قيل. حينها يصبح الكتاب حاوية للكمّ لا وعاء للمعنى، ويتحول الامتحان اختباراً للحفظ بدلاً من أن يكون معيارا للفهم. وهكذا يغدو التعليم الى وسيلة للاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة حتى يأتي وقت الامتحان. وبمجرد انتهاء الاختبار، تتلاشى غالبية ما حفظ، لأن المعرفة التي لم تفهم لا تستقر في الذهن.
اما اسلوب التدريس التقليدي فيعيد تشكيل علاقة فوقية بين المدرس والطالب: المدرس يشرح، والطالب يستمع؛ المدرس يسال، والطالب يجيب. ولا حوار فعلي، ولا مناقشة معرفية، ولا مساحة للشك البناء. ويتحول التعليم من فضاء للمعنى الى فضاء للامتثال؛ فالمعنى لا يولد من تلقين الجواب، بل من اثارة السوال. وهكذا تختزل عملية التعليم في اتجاه احادي، ويختزل المتعلم في دوره المتلقي. ومع الزمن، يتربى المتعلم على طاعة الافكار اكثر مما يتدرب على مسائلتها، فننتج عقل يتقن تدوير الكتابة ولا يجيد طرح الاسئلة.
وعندما يخشى المتعلم طرح السؤال، يضعف التفكير الناقد؛ اذا لا ينشأ هذا التفكير في بيئة تكافئ الجواب النموذجي، وتحاسب على الاختلاف. فاذا كان الامتثال هو الطريق الى النجاح، والمطابقة هو معيار التفوق، فأن روح المحاولة تذوب ويصبح السؤال خروجا عن المالوف لا بحثا مشروعا عن المعنى. في مثل هذا المناخ، ولا يكافئ المتعلم على التسائل ولا على الاجتهاد، بل يصبح سؤاله تهديدا للنظام الصفي.
المفارقة المؤسفة أن تدهور التعليم يرتبط احيانا بزيادة كبيرة في عدد الشهادات. تزداد الجامعات، ويتوسع قبول الطلاب في كليات دون معايير صارمة، وتتوسع برامج الدراسات العليا، وتمنح الألقاب الأكاديمية بشكل مفرط. لكن السؤال الحقيقي يبقى معلقا: اين الاثر المعرفي؟ اين الاضافة البحثية؟ اين الاثر الاقتصادي والصناعي لهذا الانتاج الاكاديمي؟ وعندما تتحول الشهادة إلى أداة للمكانة الاجتماعية أو للترقية في العمل فقط، تفقد معناها الحقيقي او قيمتها العلمية، ويغدو اللقب الأكاديمي من كونه مسؤولية معرفية كبرى إلى مجرد زينة لفظية. عندها نجد أنفسنا أمام تناقض مؤلم: كثرة الألقاب، وقلة في الانتاج والابداع.
الجامعة، في حالتها المثالية، بيئة لانتاج المعرفة، لا مجرد وسيلة لنقلها. ولكن عندما يتم إعادة صياغة البحث، ويتكرر تناول الموضوع، وتُكتب الاطاريح والرسائل من أجل تلبية متطلبات شكلية، هنا تفقد المؤسسة مكانتها التاريخية العريقة. وتتحول الجامعة إلى مكان لمنح الشهادات، وليست منتجة للأفكار والحلول المناسبة، لان المعرفة موجودة في النصوص الكتابية لكنها مفقودة في الواقع، والبحوث مركونة على الرفوف لكن اثرها غير موجود في السياسة والاقتصاد والصناعة.
ولفهم الفارق بشكل اوضح، نستطيع ان ننظر الى تجارب تعليمية مختلفة. ففي التعليم البريطاني من حيث المناهج واساليب التدريس، نلاحظ التعليم يميل بوضوح الى الحوار والتحليل، لا سيما في المراحل الدراسية العليا. في جامعات عريقة مثل اكسفورد او كامبريدج او هارفرد او ملبورن، وكذلك في جامعة ساوث ويلز التي تخرجت فيها، يقوم نظام الاشراف الفردي ( (Tutorial سواء في تعلم اللغة الانجليزية او المواد الدراسية على توجه الطالب لكتابة مقال تحليلي فصلي ويناقش مع المدرس. ولا يقتصر التقييم على امتحان نهائي، بل يشمل مقالات تحليلية فصلية واوراق بحثية ومشاريع عملية. صحيح ان ثمة صعوبات، مثل الضغوط المعيارية وجدل واسع حول “تسليع” التعليم وزيادة الرسوم الدراسية، الا ان ثقافة التلقين ليست هي السائدة، بل تعد الكتابة النقدية والتحليل والاستنتاج ركن اساسي في البناء المؤسسي التعليمي.
اما في الولايات المتحدة الامريكية، فالتعليم في الجامعات البحثية، يقوم على المشاريع والبحث العلمي التطبيقي. يشارك المتعلم في المختبرات والابحاث الميدانية والنقاشات الصفية، مع ارتباط واضح بين الجامعة وسوق العمل والاقتصاد المعرفي، مما يعزز وجود البحث العلمي في الصناعة والابتكار. ومع وجود عدم تكافئ مناطقي في جودة التعليم، ونقد متزايد لنزعة بعض الجامعات الربحية، ورغم ازمة الديون الدراسة للطلاب، تبقى العلاقة بين البحث والابتكار الصناعي قوية.
وفي استراليا، يقترب التعليم من النموذج البريطاني، مع التركيز على مهارات التفكير العليا مثل التحليل والتقويم والابداع، وربط وثيق بين التعليم والبحوث التطبيقية في العلوم والهندسة والطب والعلوم الانسانية. غير ان صعوبات تمويل الجامعة تعتمد بشكل كبير على الطلبة الدوليين، مما يثير تساؤلات حول استدامة التمويل واستقرار السياسة التعليمية.
فأن ازمة التعليم تتخذ اشكال مختلفة بحسب السياسة والاقتصاد وفلسفة المنهج واساليب التقييم ومستوى التمويل ومهارات المعلم وعلاقة الجامعة بسوق العمل لكل مجتمع. وتستند كثير من انظمة التعليم التلقيني الى نمط سلوكي في التعلم بالتركز على الجواب اكثر من بناء الفهم، مما يبقي الطالب في ادنى مستويات هرم بلوم المعرفي (التذكر) دون انتقال فعلي الى التحليل والتقويم والابداع. ففي نموذج الحفظ تهيمن ثقافة التلقين والامتثال، بينما في نظام التعلم القائم على المشاريع تبرز اشكالية تسليع المعرفة وضغط السوق. غير ان كلا السياقان يواجهان تحدي مشترك يرتبط بعلاقة المعرفة بالمعنى. ويتضح أن الفارق لا يكمن في المحتوى فحسب، بل في الفلسفة التربوية التي يقوم عليها المنهج.
والمنهج في التعليم التلقيني يبنى حول المحتوى المطلوب حفظه، بينما في النظام المعرفي - البنائي يبنى حول المهارة المطلوب اكتسابها. ففي الاول، يكون المعلم محور العملية التعليمية، بينما في الثاني، يكون المتعلم ليس محور عملية التعلم فقط، بل شريك في انتاج المعرفة. كما يكافئ المتعلم في البناء المعرفي على طرح السؤال والنقاش، في حين ينظر الى السؤال في الحفظ بوصفه خروج عن النص. ويعاني نظام التلقين من تضخم في اعداد الحاصلين على الشهادات دون ان يقابله زيادة في الانتاج المعرفي والاقتصادي. بينما يرتبط الترقي العلمي في التعليم القائم على المشاريع وحل المشكلات غالبا بالنشر العلمي في المجلات العلمية الرصينة والحصول على تمويل مالي بحثي.
اذن ما الحل؟ اصلاح التعليم لا يقتصر على تغيير كتاب او منهج دراسي فقط، بل يتطلب تحولا في الفلسفة التربوية نفسها. نحتاج الى مناهج ترفع من قيمة السؤال قبل تقديم الجواب، بمعنى الانتقال من “ثقافة الجواب الجاهز الى ثقافة السؤال”، والى بيئات تعليم تفتح مكان للحوار والنقاش بدل الاكتفاء بالالقاء الروتيني. كما يجب ان يقيس التقويم القدرة على الفهم والتحليل والاستنتاج، لا الحفظ والاسترجاع. ولابد من ثقافة اكاديمية تربط الالقاب العلمية بالانتاج المعرفي الحقيقي، لا بالمدة الزمنية. كما يستدعي الاصلاح تأهيل المعلم ليصبح موجه ومحفز على التفكير، لا ناقلا للمعرفة.
أن الاشكالية ليست في كثرة الاوراق والمعلومات، بل في غياب المعنى الحقيقي للتعلم الذي يمنحنا قيمة وفاعلية. فأذا استمر التعليم بشكله الحالي كوظيفة شكلية بلا وظيفة معرفية، فلن نكون امام مشكلة تعليم فقط، بل امام ازمة حضارية. فتراجع التعليم لا يحدث فجأة، بل هو عملية صامتة تتسلل الى الصفوف الدراسية، فتجعل المعلومة بلا معنى، والاوراق بلا اثر. وحين يموت المعنى الحقيقي في المدرسة، يبدأ المجتمع بضياع بوصلته. فاما أن نعيد للمعرفة معناها، او نمضي في انتاج اوراق مختومة وعقولا خالية من السؤال.
الفارق ليس في وجود ازمة، بل في طبيعتها: ازمة فلسفة تعليم ومهارة من جهة، وازمة ادارة وضغط سوق من جهة اخرى. فالتعليم الذي لا يعكس اثره خارج جدران المدرسة يبقى تعليما شكليا مهما تزايدت ارقامه. ان اعادة الاعتبار للمعنى في عملية التعليم تعني بناء مناخ يشجع الحوار ويحترم السؤال، ويربط المعرفة بالحياة، لا بالورقة الامتحانية وحدها. في حينها يتحدد مستقبلنا المعرفي ومكانتنا في العالم.









