ترجمة : عدوية الهلالي
بعد اثني عشر عامًا من تفكيكه لشخصية بافالو بيل الأسطوري في روايته «حزن الأرض»، يعود الكاتب الحائز على جائزة غونكور لعام 2017 إلى الغرب الأمريكي المتوحش في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ليقدم صورة رائعة وحزينة للولد بيلي ، التائه في خضم اضطرابات أمريكا شديدة العنف والفساد. أي تشابه بين الشخصيتين ..
بعد ثلاث سنوات من الصمت، لم يكن إريك فويار ليتوقع أن كتابه الجديد «الأيتام»، الصادر في 28 كانون الثاني عن دار نشر «آكت سود»، والمُهدى إلى إحدى أكثر الشخصيات رمزية في الأساطير الأمريكية - الخارج عن القانون الولد بيلي ، الذي قُتل في الحادية والعشرين من عمره على يد الشريف بات غاريت - سيُحدث صدىً قويًا للأحداث السياسية الجارية عبر المحيط الأطلسي. فهل هذا من امتيازات الكاتب العظيم؟ بلا شك. في وقتٍ يُهدد فيه دونالد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند كما في أيام الغرب الأمريكي القديم، وفي وقتٍ يُشعل فيه عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) النيران في مينيابوليس، يكاد البُعد السياسي لروايته الجديدة يطغي على أثرها الاجتماعي.
ولكن قبل الوصول إلى هذه النقطة، فإن رواية *الأيتام*، في جوهرها، هي تفكيكٌ لأسطورةٍ كاريكاتوريةٍ وذكورية. أسطورة الشاب المتعطش للدماء، المُدعّم بجاذبيةٍ هوليووديةٍ مُعينة، لكنها في النهاية لا تستند إلى شيء. يكتب فويار: "حياته كلها مشروطة. وإذا أردتَ أن تتحدث عن حياتك كما لو كانت لغتك الأم ، فما عليك إلا أن تقف في النسيم العليل، حيث تكون وحيدًا وفقيرًا وكأنك بعيدٌ كل البعد عن نفسك". ودع الوثائق المتبقية تُهمس لك: أنساب الشخصيات المحلية البارزة من مقاطعة لينكولن بصعودهم الصاروخي، وبعض الشهادات المتناثرة. بالاضافة الى تقرير الشرطة هذا عن أول جريمة قتل ارتكبها الولد بيلي عام ١٨٧٧، والذي كتبه قائد شرطة فاسد من العصابة المنافسة. لذا، "لم يعد الأمر يتعلق بشاب موهوب في استخدام السلاح يستفز حرفيًا فقيرًا، بل مجرد فتى يكافح من أجل البقاء».
ومع تقليب الصفحات، يُحسّن فويار رؤيته للشاب. فهو تارةً لص صغير يسرق الزبدة، وتارةً أخرى الملابس والماشية، ولكنه قبل كل شيء، جائع ويعيش بلا عائلة. هنا ثمة شيء من غافروش وديكنز في هذا الفتى، الذي سرعان ما يجد نفسه منجذبًا إلى عصابة من المسلحين الذين يتقاضون رواتبهم من أولئك الأقوى منه: ملاك أراضٍ جشعون، وسياسيون عديمو الضمير، وعسكريون فاسدون سيتلاعبون به قبل التخلي عنه. هذه هي الفكرة المحورية للكتاب، والتي توسع نطاق التركيز فجأةً ليشمل رؤية للعالم تتسم بالخطيئة الأصلية للرأسمالية التي ستنتصر قريبًا. "كان كبار ملاك الأراضي بحاجة إليهم، وكان رجال الأعمال بحاجة إليهم، وكان الجيش بحاجة إليهم، وكان الكونغرس بحاجة إليهم.هكذا كانت بداية ما يُسمى حتى اليوم باقتصاد السوق.»
فبمجرد أن "اكتمل الاستعمار"، أصبح هذا العالم الصغير من البلطجية، الذي لم يعد ذا فائدة لأحد، "لا يُطاق". لا إرث لهؤلاء المساكين، أتباع أمريكا المُسلّحين الذين ما زالوا في طور التكوين. وبينما أُعدم الكثير منهم مثل بيلي، وجد البعض طرقًا جديدة للعمل. "أصبح معظم البلطجية ضباط شرطة؛ وهكذا، في بداية تاريخهم، تشكّلت أجهزة إنفاذ القانون". من الصعب ألا نفكر في هذه المرحلة في الأخطاء الحالية لشرطة دونالد ترامب المُناهضة للهجرة وممارساتها في التجنيد. يقولون إن التاريخ يُعيد نفسه. لا شيء أبعد عن الحقيقة من ذلك. وهكذا، من خلال هذه الصورة المُعدّلة لأشهر مُجرم صغير في غزو الغرب، فإن فويار يُخاطب نفسه في هذه القصة القصيرة بعبارات تُدوّي كطلقة رصاص. بسبب عنفِها المتأصل، وهوسها بالاستعمار، وردود الفعل العدوانية التي يلجأ إليها "الخارجون عن القانون" الجدد في السلطة باستمرار لإعادة تشكيل ملامح ديمقراطية على وشك الانهيار.
الولد بيلي أو هنري مكارتي (23 تشرين الثاني 1859 - 14 تموز 1881) الشهير باسم الولد بيلي كما عرف أيضاً باسم هنري انتريم وويليام هاريسون بوني كان امريكياً مسلحاً خارجاً عن القانون شارك في حرب القطيع في مقاطعة لينكون، هذا وقد اشتهر بقتله 21 رجل. لم يكن بيلي معروفاً عندما كان على قيد الحياة، ولكن بعد سنة من مماته جعل منه مدير الشرطة بات غاريت - والذي كان قد قتله بنفسه - أسطورة عندما ألف عنه كتاباً مثيراً للدهشة سمّاه الحياة الأصيلة للولد بيلي ومنها أصبح الولد بيلي رمزاً عند الغرب الأمريكي.
في روايته الأخيرة، يواصل الكاتب والمخرج وكاتب السيناريو الفرنسي إريك فويار استكشافه للتاريخ الأمريكي من خلال شخصية الولد بيلي الأسطورية، الخارج عن القانون الشاب حيث يسرد، من خلال تتبع حياته القصيرة، نشأة مجتمع رأسمالي متوحش وعنيف.
ويُقدّم راوي رواية إريك فويار الأخيرة الولايات المتحدة كمستعمرة أُنشئت على عجل على أرض مستنقعية. وفي روايته القصيرة والغنية بالتفاصيل، يفتح الروائي الباب حيث توقف التاريخ الرسمي ليكتب تاريخًا آخر، أو بالأحرى، واحدًا من بين العديد. قصة الولد بيلي وجميع قطاع الطرق اليتامى الذين يرافقون ملحمته، التي رواها قاتله. نحن في أواخر القرن التاسع عشر، حرب مقاطعة لينكولن، حيث يُهين المجرمون الأمهات، وهناك الكثير من إراقة الدماء. انه التاريخ الأمريكي المليء بالعنف الذي يصوره إريك فويارفي روايته الجديدة (الأيتام: قصة الولد بيلي ) وقد نشرته دار نشر أكت سود.
"الأيتام، قصة الولد بيلي" لإريك فويار: العنف في أمريكا الامس واليوم

نشر في: 4 مارس, 2026: 12:05 ص








