بغداد / محمد العبيدي
مع كل دوي انفجار يُسمع في مدينة عراقية، لا ينصرف كثيرون إلى تحديد الجهة المنفذة أو طبيعة الهدف، بل تعود بهم الذاكرة فورًا إلى مشاهد راسخة؛ نوافذ ترتجف، أمهات يطفئن الأنوار، وأصوات طائرات يطول أثرها في النفوس أكثر من مرورها في السماء.
هكذا بدا المشهد في الأيام الأخيرة، بعدما طالت هجمات جوية مواقع عسكرية في البصرة وذي قار، وسُجلت تطورات في بابل ومحيط جرف الصخر، ليعود السؤال القديم عن انعكاسات أي تصعيد على الداخل العراقي.
تقول الباحثة الاجتماعية منى العامري إن «المجتمع العراقي لم يتعافَ نفسيًا بشكل كامل من الصدمات المتراكمة التي مرّ بها خلال العقود الماضية، لذلك فإن أي تصعيد عسكري في المنطقة يعيد تنشيط ذاكرة الخوف الجماعي بسرعة».
وتوضح في حديثها لـ(المدى) أن «ردود الفعل التي نراها اليوم، سواء تمثلت في القلق العام أو في سلوك احترازي كشراء المواد الأساسية وتخزينها، لا تعني بالضرورة وجود خطر مباشر، بل تعكس خبرة تاريخية طويلة مع عدم الاستقرار، دفعت الأفراد إلى الاستعداد المبكر لأي طارئ».
وتشير العامري إلى أن «الذاكرة الجمعية في العراق ما تزال مرتبطة بصور القصف، وانقطاع الخدمات، والنزوح، ما يجعل الشعور بالتهديد يتجاوز الحدث الآني ليأخذ أبعادًا نفسية أعمق تتصل بفقدان الإحساس بالأمان طويل الأمد».
في محافظة البصرة، حيث تعرض موقع عسكري لهجوم بطائرة مسيّرة، يقول أبو سجاد (40 عامًا)، وهو موظف يسكن قرب أحد الطرق المؤدية إلى المنطقة المستهدفة، في حديثه لـ(المدى): «عندما سمعنا الصوت لأول مرة، شعرت كأنني عدت إلى عام 2003، أو إلى حقبة التسعينيات؛ الرهبة ذاتها، ونظرات الناس إلى السماء كما لو أنهم ينتظرون شيئًا مجهولًا».
ويضيف أن «القلق لا يتعلق بالموقع العسكري بحد ذاته، بقدر ما يرتبط بما قد يعقبه؛ نخشى التوسع، ونخشى الردود المتبادلة، ونخشى أن تتحول مدننا إلى جزء من هذه المعركة، بعد سنوات من الهدوء النسبي والانتعاش الاقتصادي الملحوظ».
ولم يكن هذا السلوك معزولًا، إذ شهدت بعض الأسواق إقبالًا لافتًا على شراء المواد الأساسية، فيما ازدادت حركة الشراء في محطات الوقود، في تكرار لنمط يتجدد كلما اهتزت المنطقة.
وفي الأحياء السكنية المكتظة وعند المقاهي، عاد مشهد التجمع حول شاشات التلفاز لمتابعة الأخبار لحظة بلحظة، بينما خفّض البعض حركة الخروج ليلاً، وأغلقت محال تجارية أبوابها أبكر من المعتاد تحسبًا لأي طارئ.
حتى الأصوات اليومية الاعتيادية، كمرور طائرة مدنية أو تحليق مروحية، باتت تُستقبل بقدر أعلى من الانتباه؛ يتوقف الحديث للحظة، وتتجه الأنظار إلى السماء، ثم يعود الجميع إلى أماكنهم بعد التأكّد من أن الأمر اعتيادي.
قلق اقتصادي
مع اتساع الحديث عن الضربات العسكرية، تسللت المخاوف الاقتصادية سريعًا إلى واجهة النقاش اليومي، لا سيما مع إعلان غلق مضيق هرمز وما يحمله ذلك من دلالات بالنسبة للعراق.
في الدوائر الحكومية، تكررت الأحاديث عن الرواتب أكثر من أي ملف آخر. يقول علي، وهو موظف في وزارة التخطيط، في حديث لـ(المدى): «لسنا معنيين بكثير من التفاصيل، لكننا معنيون بما إذا كانت رواتبنا ستصل في موعدها. كلما سمعنا كلمة مضيق هرمز أو تصعيد نفطي، نفكر مباشرة في مصدر دخلنا الوحيد».
ويضيف أن «القلق يتضاعف مع تكرار الأزمات المالية في السنوات الماضية؛ تجربة تأخر الرواتب أو الحديث عن ضغط على الموازنة ما تزال حاضرة في أذهان الموظفين، خاصة وأن أغلب دوائر الدولة لم تتسلم رواتبها لغاية الآن».
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي عبدالسلام حسن أن «هاجس الوقود، وسلاسل إمداد الغذاء، فضلاً عن احتمال استقبال موجات نزوح من إيران في حال اتساع رقعة المواجهة، بات يسيطر على المزاج العام ويغذي المخاوف الاقتصادية في الداخل».
ويضيف أن «الحكومة مطالبة بإجراءات استباقية واضحة، تشمل تعزيز الخزين الاستراتيجي من الوقود والمواد الغذائية، وضبط السوق ومنع المضاربات، وتقديم رسائل طمأنة مدعومة ببيانات شفافة»، مؤكدًا أن «التعامل السريع مع التحديات الأمنية والتأثيرات الاقتصادية لا يقل أهمية عن إدارة الملفات الأخرى، لأن أي ارتباك داخلي قد يضاعف من كلفة الأزمة على المستوى الاجتماعي والمعيشي».
ذكريات 2003 تعود مع دوي الانفجارات.. العراقيون يواجهون الخوف والقلق الاقتصادي مجددًا

نشر في: 4 مارس, 2026: 12:04 ص








