النجف / عبدالله علي العارضي
استفاق سكان الأحياء الشمالية والشمالية الغربية من مدينة النجف على رائحة نفّاذة تشبه الكبريت أو البيض الفاسد، تزامن ظهورها مع تصاعد التوترات الإقليمية ومرور صواريخ إيرانية في أجواء العراق خلال الأيام الماضية.
وانتشرت الرائحة في الهواء بشكل ملحوظ، ما أثار موجة من القلق والتساؤلات بين الأهالي، فيما ربط بعض المواطنين بين توقيت ظهورها واحتمال أن تكون ناتجة عن مخلفات احتراق وقود صاروخي. في المقابل، تنتظر المدينة تفسيرًا رسميًا دقيقًا يضع حدًا للتكهنات.
وبحسب شهادات متقاطعة، لم تقتصر الرائحة على مركز المدينة، بل امتدت إلى مناطق أخرى بينها قضاء المشخاب، حيث أكد مواطنون أنها كانت واضحة خلال ساعات الليل والصباح الباكر، وتسببت بإزعاج ملحوظ، لا سيما لدى من يعانون أمراضًا تنفسية.
يقول المواطن فاضل عباس، وهو من سكان الأحياء الشمالية، لـ"المدى": "الرائحة كانت غريبة جدًا، قوية ومختلفة عن أي شيء اعتدناه. في البداية ظننتُ أن هناك حريقًا قريبًا، لكن تبين أن أغلب الجيران يشمونها أيضًا. ومع الأخبار عن مرور صواريخ في الأجواء بدأنا نتساءل إن كان هناك رابط".
أما المواطن منتظر الفتلاوي، الذي يعاني حساسية مزمنة في القصبات الهوائية ويسكن جنوب النجف، فيقول: "شعرتُ بتحسس واضح في القصبات الهوائية وضيق خفيف في التنفس مع اشتداد الرائحة، ما اضطرني إلى استخدام البخاخ أكثر من مرة. نحن لا نجزم بسبب محدد، لكن التوقيت يثير القلق".
من جهته، أوضح مدير بيئة النجف جمال عبد زيد، في تصريح لـ"المدى"، أن الرائحة التي تشبه الكبريت أو البيض الفاسد غالبًا ما ترتبط بانبعاثات غاز كبريتيد الهيدروجين (H₂S) أو ثاني أكسيد الكبريت. وأشار إلى أن حرق النفط الأسود في محطات توليد الطاقة ومعامل الإسفلت يُعد من أبرز الأسباب المحتملة في المدن، إذ تعتمد بعض هذه المنشآت على وقود عالي المحتوى الكبريتي، وقد تعمل أحيانًا من دون فلاتر كافية للحد من الانبعاثات.
وأضاف أن من الأسباب المحتملة أيضًا حرق النفايات الصلبة أو النفطية، إذ يطلق هذا النوع من الحرق كميات من الغازات الكبريتية، فضلًا عن عوامل مناخية مثل ارتفاع نسبة الرطوبة وضعف حركة الرياح، ما يؤدي إلى حبس الغازات في طبقات قريبة من سطح الأرض وانتقالها من مناطق صناعية إلى أحياء سكنية.
ولم يستبعد عبد زيد ما يتم تداوله بشأن احتمال ارتباط بعض الروائح بانبعاثات ناتجة عن احتراق وقود صاروخي أو انبعاثات طائرات، في حال وجود نشاطات عسكرية أو سقوط مخلفات في مناطق قريبة، مشيرًا إلى أن مثل هذه الفرضيات تحتاج إلى فحوصات مختبرية وقراءات رصد جوي دقيقة قبل تأكيدها.
بدوره، حذر المرصد العراقي للبيئة "مرصد العراق الأخضر" من مخاطر الغازات السامة والملوثة الناتجة عن احتراق وقود الصواريخ الحربية.
وقال عضو المرصد عمر عبد اللطيف لـ"المدى" إن هذه الصواريخ تطلق غازات مثل أول أكسيد الكربون، وكلوريد الهيدروجين، والكربون الأسود، وهي مواد تؤثر سلبًا على البيئة وصحة الإنسان، وقد تسهم في تكوين الأمطار الحمضية، والإضرار بطبقة الأوزون، وتعزيز ظاهرة الاحتباس الحراري.
وأشار إلى أن العراق "لا يتحمل المزيد من الأضرار البيئية"، في ظل ما تعانيه منظومته البيئية من تدهور مستمر، داعيًا الجهات المعنية إلى تسريع إجراءات الرصد والمعالجة والإعلان بشفافية عن نتائج الفحوصات.
وبين فرضيات الانبعاثات الصناعية والعوامل المناخية واحتمال تأثير مخلفات عسكرية عابرة للأجواء، تبقى رائحة الكبريت في سماء النجف اختبارًا لشفافية المعلومات البيئية، وسؤالًا مفتوحًا حول قدرة مؤسسات الرصد على مواكبة المتغيرات المتسارعة في محيط إقليمي مضطرب.









