TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > يتمسكنون حتى يتمكنوا

يتمسكنون حتى يتمكنوا

نشر في: 1 ديسمبر, 2012: 08:00 م

لم أخف عنكم تفاؤلي، الذي كتبت عنه أكثر من مرة، بعد أن زرت تونس برفقة وفد من المثقفين العرب. مبعث تفاؤلي الذي شاركني، أو شاركت به، جميع أعضاء الوفد أن أغلب السياسيين التوانسة هناك يشاركون الغالبية من الشعب في السعي للحفاظ على ملامح الدولة المدنية وإبعاد الدين عن التدخل في شؤونها.
تصاعد تفاؤل زملائي المثقفين يوم التقينا السيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية، إلا أنا. كنت صامتا تماما، على غير عادتي، أثناء حديث الغنوشي وحواراته مع ضيوفه. كان كل الحاضرين تقريبا معجبين بما طرحه الغنوشي، الذي مفاده أنهم (الإسلاميون) وافقوا على إبقاء المادة الدستورية التي تنص على أن "تونس دولة عربية دينها الإسلام"، ولم يطالبوا بإدخال تميمة الإسلاميين المعتادة "مبادئ الإسلام المصدر الأساسي للتشريع" أو على الأقل مصدر أساسي له. كذلك قال بأنهم وافقوا، أيضا، على إبقاء مادة منع تعدد الزوجات رغم أنها تتناقض ومبادئ "العقيدة". ومن دون أن يسأله احد منا عن السبب أوضح بان الذي دعاهم لذلك هو أن المرحلة الانتقالية تحتاج لبعض التنازلات كي يتم التوافق بين "الفرقاء"، من أجل أن تسير الأمور بشكل طبيعي. صراحة هو هذا الذي أخافني، ويخيفني دائما، في حديث جماعة الإسلام السياسي.
لاحظ احد الزملاء عدم ارتياحي فاستغرب: أيه مالك؟ أجبته أن ما قاله الرجل يعني "أن للضرورة أحكام". أي أن موقفهم هذا يدخل في باب "التكتيك" أو سمه "التقية" إن شئت. اليوم هم هكذا لكن لا تضمن أن يكونوا كذلك غدا عندما يفوزون بأغلبية مقاعد البرلمان أو يصبح الرئيس منهم. يا سيدي إنني، وباختصار شديد، يخيفني الذي يتمسكن حتى يتمكن.
وعندما التقينا بالرئيس التونسي المنصف المرزوقي لم يخف، هو الآخر، ارتياحه لموقف الإسلاميين التوانسة. واعتبر أن ما وافقوا عليه بشأن الدستور يكشف عن تفهمهم طبيعة الشعب التونسي وميله الطبيعي نحو الدولة المدنية. أبديت اعتراضي وقلت له صبرا يا سيادة الرئيس فهؤلاء ينتظرون فرصة قادمة وستبدي لك الأيام. وحين قال الرئيس إنهم، حتى وإن فازوا بكرسي الرئاسة أو بأغلبية البرلمان، لن يستمروا لأكثر من دورة أو دورتين. هنا رفعت يدي مرة أخرى معترضا وقلت له إنهم إن حققوا ذلك فعلا فاحسب بقاءهم بالقرون وليس بالعقود أو السنين. اعتبرني الرئيس متشائما جدا، وشاركه في رأيه أغلب الحاضرين أو ربما كلهم.
وحتى أثبت لهم بأنها ليست مسالة تشاؤم أو تفاؤل ضربت التجربة الإيرانية مثلا. وكيف أن الإسلاميين في أول أيام الثورة على الشاه قرّبوا الأحزاب الليبرالية والعلمانية خاصة حزب "تودة" الشيوعي. لكن الخميني حينما تمكن من السلطة، بعد حين، ضربهم وفرض دستورا لا قطرة فيه لحياة ليبرالية أو مدنية. ثم ذكرت تجربة جماعة حزب الدعوة في العراق ومجموعة الاتفاقات التي عقدوها مع باقي الكتل غير الإسلامية، كـ "اتفاقية أربيل". لكنهم مثل إسلاميي إيران ما أن ضمنوا الكرسي حتى ضربوا تلك بالاتفاقية وغيرها عرض الحائط.
أنهيت كلامي موجهاً عيني صوب المثقفين المصرين الذين كانوا ضمن الوفد: اصبروا قليلا فلن يطول الأمر وسترون ما سيفعله مرسي و"إخوانه"، بعد أن قبضوا على كرسي الرئاسة وتمكنوا.
اليوم يكون قد مر شهر على ما توقعته، وها هي مصر يهزها الخوف من شبح الدكتاتورية الجديدة القادمة تحت غطاء الشريعة والخوف على "بيضة" الدين.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ثلاث ساعات حاسمة في جنيف.. ماذا دار خلف الأبواب المغلقة؟

النقل: طريق التنمية بلا فيتو.. إنجاز القناة الملاحية بالكامل

الاستخبارات تفكك شبكة من 4 متهمين وتحرر 3 ضحايا ببغداد

التخطيط: إصلاح الرواتب يتطلب رؤية تضمن الاستدامة المالية!

نيويورك تايمز: ضربة أميركية محتملة لإيران لفرض تنازلات نووية

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram