علاء المفرجيفيلم (نبي) للمخرج الفرنسي جاك اوديار، كان الحدث السينمائي الفرنسي الأبرز خلال عام 2009 .. حيث استطاع هذا الفيلم ان ينتزع الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي ، مؤكدا - وعلى غير عادة المهرجان – حضوراً فرنسياً متميزا.. ثم يعود في مهرجان لندن السينمائي لينال جائزته الأولى .. ولم يتوقف سيل التكريم لهذا الفيلم ،
حيث رشح ممثلاً لفرنسا لجائزة اوسكار أفضل فيلم أجنبي. ينتظم هذا الفيلم في قائمة الأفلام التي تشترك بموضوعة المهاجرين في فرنسا والعنصرية والتي بدأت تجد لها مرجعية في المؤسسة السياسية الفرنسية الحاكمة..وبعيداً عن القراءة المتعسفة لموضوعيته، فان فيلم برفيت (نبي) توفرت له كل عناصر المتعة السينمائية، إن كان في الإخراج أو في التمثيل او في السيناريو المحكم وبلغة سينمائية متقدمة . هو باختصار فيلم متكامل ، يستحق ما ناله من تكريم في المهرجانات السينمائية المهمة.على مدى 150 دقيقة، يتناول الفيلم عالم السجن والجريمة من وقت دخول الشاب الفرنسي ذي الأصول المغاربية مالك الجبنة( يقوم بالدور وباقتدار الممثل الجزائري الاصل طاهر رحيم) الى السجن ليقضي عقوبة ستة اعوام فيه بتهمة غير معروفة للمشاهد .. ثم الانغمار في تفاصيل الاحداث داخل السجن، الاحداث التي يكون محورها هذا الشاب الخجول والنحيل .. ليكون فريسة سهلة لاحدى جماعات المافيا الكورسيكية داخل السجن التي يقودها سيزار ( يلعب دوره الممثل نيلز ارسترب) .. لكنه سرعان ما يقوي عوده بفضل دهائه وحسن تدبيره ليتسيد هو نفسه احدى العصابات داخل السجن .. في بداية دخول السجن يجبر مالك من قبل زعيم هذه العصابة على قتل (رحب) احد السجناء وهو ايضاً من اصول عربية بداعي تصفية حسابات قديمة، يعترض مالك في بداية الامر محاولاً التهرب من هذه المهمة، وابلاغ ادارة السجن المتواطئة اصلاً مع عصابة المافيا .. لكنه في النهاية ينفذ جريمة القتل في مشهد مروع، سيسجل بوصفه احد اهم مشاهد السينما في تاريخها.. لينال مالك ثقة سيزار والمافيا الكورسيكية ويصبح رجلهم الذي يكلف فيما بعد بعدة مهمات اصعب خارج السجن بعد ان يحصل له سيزار على إذونات الافراج الوقتي مستغلا نفوذه المافيوي لدى ادارة السجن..السجن بالنسبة لـ ( مالك) عالم تتبلور فيه شخصيته ، فهو أمي يتعلم القراءة والكتابة فيه، وهو ساذج سرعان ما يتقن اصول لعبة الإجرام والتعاطي مع شبكة عصابات المافيا.. هذا العالم المليء بالدسائس والمؤامرات هو انعكاس واقعي للعالم الخارجي..الفيلم على الرغم من قراءة له ترى فيه نزعه عنصريه تجاه العرب والمسلمين، خاصة مع نعتهم من قبل الكورسيكيين بالحثالة وانهم مولعون بأعضائهم التناسلية ، الا انه من الجهة الأخرى يجعلنا نتعاطف مع البطل العربي وتقف بالضد من الكورسكيين.. هو اذن لايتعاطى مع الصورة النمطية للعربي لتي لطالما اشتغلت عليها السينما الغربية.. العربي والمسلم هنا هو جزء من عالم يترصده المخرج الذي يبدو غير معني بقراءة متعسفة من هذه النوع.. عالم السجن بكل تفاصيله هو ما يعنيه .. القصاص فيه هنا له نتائج عكسية يبدو كما لو كان مدرسة لتعلم صنوف الانحراف واضطهاد الآخر.. هو ايضاً يعرض جانباً مهما عن ينابيع الإرهاب والأصولية .. فالقسوة واضطهاد وتهميش الآخر دافع لسلوك هذه الطريق .. أليست هذه احدى الافتراضات المهمة في الحديث عن حضانات العنف والتطرف..بقراءة اخرى، الفيلم هو عن العنصرية وصعوبة الاندماج مع الآخر الغربي .. هو ايضاً عن النفوذ المتزايد للمافيا في اخطر مؤسسات الدولة ، الامن والشرطة .. هو في النهاية عن إشكالية الهوية الضائعة..وبهذه القراءة ومع حشد من العرب ساهم في صنعه ابتداءً من كاتب السيناريو (عبد الرؤوف ظفري) وليس انتهاءً بالممثل الجزائري الأصل والموهوب طاهر رحيم .. فان الفيلم يشكل ادانه صريحة للعنصرية المقيتة..لم يدر في بال المخرج تنفيذ فيلم عن السجن.. وهو موضوع لطالما استهلكته صناعة السينما لعل أبرزها فيلم ( الفراشة) الذي جسد بطولته الممثل الراحل ستيف ماكوين او (سجين الكاتزار) مع برت لانكستر.. انه فيلم عن السجن انطلاقاً من كونه( اي السجن) جانباً مهماً لتناول موضوعة هي الان الشغل الشاغل لعلماء الاجتماع والسياسية ..وبعيدا عن هذا وذاك فأن المخرج أتقن أيما إتقان صناعة فيلم بحرفية عالية .. يكفي ان نشير الى استخدامه الذكي للأضاءة في خدمة موضوعه، ففي المشاهد الاولى للفيلم يظهر جانبا من وجه الممثل طاهر رحيم مغمورا بالظلال وهو في بداية اجراءات دخوله السجن تعبيرا عن الحالة النفسية التي يمر بها البطل خاصة وهو يلج عالما لا يفقه من اسراره شيئا .. وايضاً استخدام اللقطات المقربة (الكلوز اب) لاستبطان التعبير المناسب لشخصياته حيث يترك العنان لتعابير وجه الممثل في الافصاح عن دواخل النفس .. وهو الامتحان الذي اداه بتفوق الممثل الجزائري طاهر رحيم.
كــــلاكــيــت: فيلم (نبي) عن الهوية الضائعة
نشر في: 28 إبريل, 2010: 04:47 م