TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > تلويحة المدى ..شعرية الفضاء وشعريــة المكــان

تلويحة المدى ..شعرية الفضاء وشعريــة المكــان

نشر في: 16 يوليو, 2010: 06:39 م

شاكر لعيبييمكن الحديث عن (شعرية المكان) جوار الحديث عن (شعرية الفضاء). جرى تناوُل شعرية المكان عبر التمثيلات الأدبية والفنية، الروايات والقصائد والمذكّرات والرحلات واللوحات الفنية، ضمن علاقةٍ بين الفضاء والزمن، وهو ما ينجم عنه كله طوبوغرافيا وقوائم وتعليقات على ما قد أحاط بالفعل الإنساني من الخارج، لأن الفضاء الممثـّل له مقروءٌ بصفته فضاءً فيزيقيا- مرجعياً،
 على ما يقول كاتلوغ برنامج بحث عُقد في باريس في 12 كانون الثاني- يناير 2009 تحت عنوان "التفكير بالفضاء".في الكتاب المعنون (شعرية الأماكن) الذي يجمع دراسات وبحوثاً عن الموضوع تذكر مقدمة الباحثين اللذين جمعاها، باسكال أوريه-جونشيير وآلان مونتوندون بأن كلمة المكان ليست بداهة، ويتساءلان عن كيفية التفريق بين (المكان) و(الفضاء) و(الجغرافيا). ويعتقدان أن ثمة علاقة فيما بين المفردات الثلاث. فالفضاء ليس مكانا لكنه علاقة مع المكان. وبينما يكون الفضاء الحائز على صيغة المفرد، جوهراً وتجريداً صافياً، فإن المكان، المستخدم أيضاً بالجمع،ـ يصير حدوداً ويَفْصِل ويَسِمُ المناطق بل يدلّ على الجغرافيا. ويذكران أن الحديث عن (شعرية المكان) يعاود مساءلة عملية الكتابة التي تصير في خدمة تمثيل مخصوص لفضاء من طبيعة أدبية. ويطرح ويستفال أسئلة جذرية، حسب المقدمة، عن هذه العلاقة المتغيِّرة بالضرورة مع المرجع. ماذا يوجد بالضبط من علاقة بين هذه المدينة المفهْرَسَة جغرافياً التي يَعْرفها ويزورها السائح وبين تبدُّلها في النص؟.. ثم يقترحان أن كتابة الأماكن هي اختراع لأماكن جديدة تتابع عمليات ثلاث: جمالية واستيعاب داخلي وتشعيرية poétisation إذا صحت هذه الترجمة. لكن شعرية المكان وشعرية النص يمكن أيضا أن تتداخلا بل تبدوان متضامنتين تماماً.  يتمّ اختراع المكان الجديد عبر الخلق الجمالي والروحي، وعبر إعادة صياغة المكان كما نفهم من المقدّمان اللذان يذكران كذلك: لو أن شعرية الأماكن تميل إلى بعض التمظهر والتخصُّص والى رؤية الفضاءات التي غدا التعرف عليها صعباً، فإنها، هذه الشعرية، ميّالة بالتوازي إلى ترجمة الوجهات المجهرية والفراغية للعمائر أو للفضاءات غير القياسية لأنها هجينة ومتغايرة [مع المراجع]. المفارَقة التي يشير إليها المقدِّمان في هذا السياق هي: عندما لا يستطيع المرء تشخيص الموضع فإنه يخلق مكاناً آخر، ذا وجهين، مكاناً متحرّكاً، أو مكاناً وسيطاً بالفعل. هكذا وخلافاً لأي توقع من النادر أن يشتغل توبوس Topos القصر في أدب القرن التاسع عشر، ليس بصفته قلعة للمقاوَمة ومكاناً مغلقاً وملجأ مفضّلاً، ولكن على العكس بصفته مكاناً ذا جبهتين صار هشاً بسبب التقسيم الداخلي أو بسبب تناقض بنائيّ يشقّ على كل تحديد، بل فريسة لجميع أنواع الفواصل العنيدة. (شعرية المكان) لا تتعلق بالنصوص الأدبية وحدها، ويمكن البحث عنها في الأعمال التشكيلية كذلك وفي الخرائط الجغرافية وفي الصورة الفوتوغرافية. يستطيع مؤرخٌ للفن، برنار فويلو، أن يكتب مقالة عن "شعرية الأماكن: شكل إيطاليا". وتستطيع باحثة فرنسية عام 1996 إنجاز أطروحة عن رمزية الحديقة في أدب وتصوير نهاية القرن. هذا بالطبع إذا تركنا جانبا الدراسات الوفيرة العميقة عن علاقة الشعر بفن التصوير. لعل مفردة pittoresque العصية على الترجمة: روعة، طرافة، رائع، فاتن أو "جدير بالتصوير لروعته وبهجته"، كانت تعبّر خير تعبير عن علاقة بعض الفنون التشكيلية الأوربية بشعرية المكان، الرومانسية في حينها، المُعقَّدة فيما بعد إلى مصاف شعرية فضائية ذات مستويات متعدّدة. يشتقّ اليوم المعنيون الفرنسيون بجرأةٍ مفردات تربط التوبوس (الطوبوغرافيا) بالشعرية كالـطوشعريةTopoetiques  والجغرافيا بالشعرية أيضا كالـجيوشعرية Géopoétique.ماذا يتبدّل في بعض العمائر ذات الخصوصية، كأهوار العراق ومطماطة التونسية، المفهْرَسَة التي يَعْرفها ويزورها السائح أثناء لقائه معها أو خلال تطلُّعه في صورها؟. إنه يكتب نصه الخاص به بشأنها. كلية المشهد المعماري المخصوص تدفع إلى (اختراع المكان) من دون شك، لأنها بلا مرجعيات، ولأنها خاصة هجينة ومتغايرَة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram