لطفية الدليمييقول الكاتب البرازيلي (جورج أمادو) في هجاء الديكتاتوريين: - (هم الأبطال الفارغون، الذين يكذبون إذ يدّعون أنهم يتكلمون باسم الشعب، فالراية التي يحملون هي راية الموت، يطالبون بالطاعة وعبادة الشخصية، ولا يستطيعون تحمل الحرية والإبداع ويخيفهم الحلم، الفرد يرعبهم، ويشيّدون عالما حزينا رديئا وبائسا) .. يكتب هذا في كتابه (طفل من حقول الكاكاو)
هو الطفل الذي اكتشف الحرية في الحلم فصار كاتبا حرا يملك مفاتيح الإبداع.بعد سقوط غرناطة جمع الكاردينال ( أكزيمينيس ) ثمانين ألف كتاب من كتب العلوم والفكر والرياضيات والفلسفة والأدب من المسلمين سنة 1491 وأمر بحرقها ، وطورد من أخفى كتبا أو اتهم بامتلاكها وسجن وعذب وأحرق بتهم أقلها الهرطقة والخروج على تعاليم الكنيسة التي أمر الرب بتطهير أراضيها من السحرة والساحرات، المفكرين والمفكرات..في أيامنا هذه يتوالد مئات الكرادلة أمثال( أكزيمينيس) يشرعون لحظر الأحلام ويطاردون الكتّاب ويحاكمونهم من أجل فكرة أو جموح مخيلة مبدعة، أو عبارة جامحة في سطر كتاب، يتكاثرون بمتوالية هندسية وتتضاعف أعدادهم على نحو كاسح ومهول.. محاكم تفتيش تحاصر اللغة، إذن على الكتاب أن يستعيروا لغات أخر ويدققوا في اختيار المفردة وتكوين العبارة وتدوين الفكرة.. المحاكم تلاحق المخيلة، اذن على الشعراء والروائيين أن يكتفوا بسرد حكايات الجان والغيلان ، وينقلوا وقائع البلدان السعيدة، ويروجوا للمقولات البليدة و النصوص الخاوية ، المحاكم تطارد أحلام الكتّاب وعليهم أن يضعوا أقفالا على نوافذ عقولهم الباطنة كي لا تزل وتنزلق في حلم محرم أو رؤيا غير مشروعة، وإذا صادف وجمحت بهم المخيلة ودونوا فكرة متجاوزة ينزل بهم القصاص قبل ان يفسدوا الحشود ويزلزلوا قناعاتهم بالسعادة والنعم والعيش الرغيد ويدفعوا بالسادرين الى رؤية حقيقة حال الانسان فينفرد كل منهم بعقله ويستفيق من غفلته، و ويتنبه الى عظمة الفطنة وجلال الفكرة، وتنهض أسئلة من هنا واستفهامات من هناك، ويتزعزع النظام وتهب الفتنة وينعدم الوئام في يقظة العقل وقيام السؤال..غرناطة انتهت لكن محاكم التفتيش بعثت في عصرنا على طول بلاد العرب والمسلمين وعرضها ولم تستثن أرضا ولا بلدا، وبعث الكاردينال اكزيمينيس في هيئات معاصرة وشرع يطارد الكتّاب ويحرق الكتب ويحظر الحلم ويحرم التفكير والتخييل ،يحدث هذا في قرننا الحادي والعشرين في عواصم عدة فيلجأ الكتاب الى نشر أعمالهم في بلدان أخرى تجنبا لهدر الدم او المحاكمات في اقل تقدير ،ويحدث هذا في الغرب أيضاً حيث تستخدم رقابة من طراز مختلف على حرية التعبير تحت بند معاداة السامية ويطبق ذلك على كل كاتب يبدي رأيا يخالف ثوابت الإعلام الغربي عن الصهيونية كايدلوجيا سياسية ، و يؤول اي مساس بشخصية يهودية باعتباره معاداة للسامية فاذا أتهم عربي بالذنب ذاته تناسى الجميع ان العرب ساميون وان كلا العرب واليهود انحدروا من صلب إبراهيم الخليل كما يقول المؤرخون .سلالة أكزيمينيس هم أنفسهم سلالة الكرادلة والكهنة وأصحاب الفتاوى الفضائية وهم داء زماننا وسرطان الوعي، كل أيديولوجيا هي بالمحصلة ضد الحلم، لأنها تقنن، تحدد، وتقولب وتفرض الأطر الضاغطة لتخنق الفكر المبدع وتقيده الى قواعد تستنها لتحجيم حرية الفكر .فيحاكم الشعراء والكتاب من أجل مفردة أو عبارة أو حلم، وتفتح أبواب الحرية امام الهراء والتفاهات والفن الهابط والشعوذات وصراعات الديكة البشرية والتهريج في الفضائيات دون أن تهتز سلالة أكزيمينيس، أو ترفع أصواتها النشاز، لأنها ببساطة المستفيدة الوحيدة من تسطيح العقل وإشاعة التفاهة والشعوذة التي تفضحها أحلام المبدعين وأفكار المفكرين.. ولكن هل تستطيع إجراءات الحظر والتحريم أن تحول دون حق البشر في الحلم؟هل بوسع الديكتاتور والمتجبر ورافع سيف التحريم أن يوقف سيول أحلام الكتاب والمبدعين؟ هل يموت الحلم وتجف منابع المخيلة بمحاكمات ودعاوى؟ قد يسجن كاتب أو يحاكم ناشر أو تفرض غرامات على العقل، وتحرق كتب في الساحات العامة، غير أن اللهب سيمتد الى جهات شاسعة، ويحرق الكثير من شواخص الايديولوجيات المهيمنة، فليس ثمة ضمانات للجم النار وتحجيم الحريق، وليس ثمة وسيلة تحول دون اقترافنا للحلم إلا بإبادة فصيلة المفكرين والمبدعين والشعراء من الأرض، وجعلها جحيما حجريا ساكنا لا يزوره حلم ولا تعطره رؤيا ولا تزلزله قصيدة حب..
قناديل ..محاكم التفتيش والإبداع

نشر في: 31 يوليو, 2010: 05:41 م







