كاظم غيلان لرمضان تفرده وخصوصيته من بين كل اشهر السنة الهجرية وعلى مدار الزمن بكل مافيه من مسرات وويلات، فوفقاً للترتيب التقويمي يحتل التسلسل التاسع، اما اشتقاقه اللغوي فقيل لأنه يرمض الذنوب، اي يحرقها، ومأخوذ من الرمضاء وهي شدة الحر.
رمضان في العراق له خصوصيته التي لا تنفصل من حيث التزاماتها وقداستها عن سائر البلدان الاسلامية مع ان هناك تفاوتاً بسيطاً خاضعاً لموروثات كل شعب.ما ان يبدأ هذا الشهر حتى تأخذ طقوسه مدياتها وتلقي بظلالها على البيوت والحارات ودوائر الدولة والمدارس والحقول والمعامل، وترافق هذه الطقوس عادات موروثة منذ ازمنة بعيدة قصية، وكلما تناسلت الاجيال تجدها تعود للاجيال التي سبقتها لتنهل منها حكايات وقصصاً وكأنها عودة الى البعيد مما مضى.حامل بشائر هذا العام اطل علينا شهر رمضان الكريم هذا العام وهو يحمل بشائره حيث اعلن عن تقليص ساعات حظر التجوال ورفعها عن يوم الجمعة الذي فرض قبل اكثر من عام وتسبب في الحاق أضرار معيشية لقطاعات واسعة من الكسبة والاسواق التي اعتاد اهالي بغداد على ارتيادها كسوق المتنبي ـ شارع الكتاب الشهير ـ وسوق الهرج وسوق الغزل، شارع المتنبي وفي اول جمعة رفع حظر التجوال خلالها احتفل ولو بمحدودية الحضور وتنهدات من حضروا فما زالت مقهى الشاهبندر ـ نائمة على خراب العمل الارهابي الذي حصل في شهر اذار هذا العام.. ومازالت العديد من مكتبات الشارع المعروفة مقفلة الابواب برغم ترميم معظمها، لكن بارقة امل كبيرة تبعث على التفاؤل بعودة الحياة لهذا الشارع الذي حفر اسمه العظيم في ذاكرة مثقفي العراق ومن مختلف اجيال الثقافة العراقية.ثمة من رحلوا عن الحياة وممن افتقدهم هذا الشارع من رواده وكان آخرهم وليس اخيرهم الناقد والمفكر العراقي البارز( محمد مبارك) الذي فارق الحياة قبل ايام قليلة ليترك حسرة فراغ جديد في نفوس مثقفي العراق مثلما هي حسرة في روح هذا الشارع.ليل المباهج المتحدي الليل العراقي، وفي بغداد بشكل خاص، ازداد غموضاً وهمجية بفعل ممارسات قوى الظلام والإرهاب، ولذا كانت اجراءات فرض حظر التجوال خلاله مشروعة جداً من شأنها ان تضمن سلامة المواطن الا ان الذاكرة العراقية لم تزل تشيعها مباهج الماضي في شهر رمضان اذ كان للعبة(المحيبس) وقعها الخاص بين ابناء احياء بغداد والقديمة منها على وجه الخصوص والتي تسهم في توطيد العلاقات الطيبة وتمتين رابطة المحبة التي يراهن اعداء العراق على إزاحتها مع ان ذلك من المستحيلات التي لايمكن لها ان تتحقق.اما( المسحراتي) كما يطلق عليه الاشقاء في مصرو( ابوطبيلة) لدينا فهو لم يزل شاهراً سلاحه بوجه الظلمة الحالكة.. هذا السلاح الذي يتحدى به لم يكن بندقية قناص ولاعبوة ناسفة، انها آلة الطبل التي يقرعها بعد منتصف الليل ليوقظ النيام ايذاناً ببدء السحور، جولته في الازقة البغدادية وقرع طبوله المستمر يأتي مع ساعات حظر التجوال وهذا بوحده تحد لاعداء المحبة العراقية.14 رمضان برغم قدسيته التي عرفناها والتي اوصى بها كتاب الله العزيز الا ان رمضان لم يسلم تاريخه من انتهاك الفاشية التي لاهم لها سوى اراقه الدم واغتيال الفرح بل وتحويله الى مأتم كبير.ذاكرة التاريخ الرمضانية تحتفظ بما حصل في الرابع عشر من رمضان الذي تزامن مع يوم الثامن من شباط في التاريخ الميلادي من العام 1963 حيث انتهكت في الساعات الاولى من صباح ذلك اليوم حرمة هذا الشهر بانقلاب اسود واسقطت اول حكومة وطنية واستشهد الزعيم الوطني ـ عبد الكريم قاسم وراحت ميليشيا الحرس القومي تعيث بالعراق خراباً وتدميراً وقتلاً وزجت بالالاف من ابناء العراق الوطنيين والتقدميين في غياهب السجون والمعتقلات وتجاوزاً لكل القيم والاعراف استخدم ازلام هذا الانقلاب الاسود كلمة (رمضان كريم) ككلمة سر في هذا الفصل الدموي وبهذا دنست حرمة هذ الشهر. طفولة رمضانية اعتاد الاطفال في هذا الشهر تغيير المألوف في العابهم وجميعا يتذكر اغاني رمضان(الماجينة) نموذجاً ، وكيف كانوا يطرقون ابواب البيوت بصياحهم المداعب العفوي:يهل السطوح .. تنطونه .. لو نروح، ومن باب المداعبة ايضاً يرش اهل الدار على الاطفال الماء .. فيعاودون صياحهم البريء الفاضح:طشوا علينه الماي .. بيت اهل الفكر في إشارة لبخل اهل الدار وهذا مايقع ضمن مداعبة طفولية بريئة، ولربما الاطفال هم الأكثر استجابة وتقبلاً للالعاب في هذا الشهر حتى في ارياف العراق اذا ما اردنا ان نخرج بطقوس هذا الشهر خارج محدودية العاصمة بغداد وماحصل في ايامها من حالات استثنائية لابد لها وان تنتهي ولابد لايقاع الحياة من ان يعود لذلك الاسترخاء الجميل الذي يعيد البهاء الى مكانه وزمانه الاثير.الإعلام الرمضاني اعتاد الناس ومن باب التمسك بقدسية هذا الشهر متابعة وسائل الاعلام المرئية منها بشكل خاص ومع توفر ـ الستلايت ـ وجد العراقي نفسه امام الكثير من القنوات ولذا تجده حراً في انتقاء مايريد متابعته وتحتل المسلسلات التاريخية الافضلية الاولى في ذلك لما فيها من استزادة معرفية بوقائع التاريخ الاسلامي الى جانب اخر يأخذ طابعا ترفيهياً من خلال المسلسلات الكوميدية التي تسه
رمضان شهر تضيء ذاكرته المباهج والآلام

نشر في: 13 أغسطس, 2010: 06:13 م







