TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > منطقة محررة: على خطى المتشائمين الكبار

منطقة محررة: على خطى المتشائمين الكبار

نشر في: 13 أكتوبر, 2010: 06:04 م

نجم واليمن سيقرأ المقابلة التي بين يدي والتي أجراها أحد الصحفيين الألمان مع صاحب النوبل للعام 2000، الكاتب الصيني، غاو كسينغيان، على هامش زيارته لألمانيا وتقديمه بعض القراءات قبل أيام، لا أعتقد أنه سيفكر بطريقة أخرى غير التي فكرت بها.
 ورغم أنني قرأت المقابلة عند حلول الليل في يوم الأحد الماضي (يوم ختام زيارته)، والذي كان أحد أيام الآحاد هذه في شمال الكرة الأرضية التي لا تبخل بطقسها وبما يحويه على كل ما يستدعي الميلانكوليا، إلا أنني بالمقارنة مع سوداوية أفكار صاحب "جبل الروح" أرى نفسي أكثر  تفاؤلاً وشباباً من هذا الرجل، في الأقل بسبب الوهم الذي ما زلت أحتفظ به إزاء الأشياء، والطيش القليل الذي يصاحب كل مشروع أفكر به. جائزة النوبل التي حولت الكاتب الصيني المجهول غاو كسينغيان إلى شخصية معترف بها، إلى عقل كوني ينتظر منه الناس الإدلاء برأيه بهذه القضية أو تلك، إلى مرجعية ذات اعتبار، لم تمنعه من أن يقول، أنه يكتب فقط لنفسه بسبب حبه للغة، لا يهمه الحصول على الاعتراف أو المال لأنه يشمئز أصلاً من الكماليات المادية، وحسب اعتقاده أيضاً إن الشهرة دائماً قضية لها علاقة بالغش، لأنها ترتبط  بالمودة، والمودة يخترعها في أغلب الأحيان العديد من المزورين يفرضون المنتوجات المقررة من قبلهم على جمهور مستهلك، سلبي.وحسب كسينغيان، لا يختلف الأمر مع السياسة، فهي الأخرى أيضاً تخضع للميكانزم ذاته الذي يخضع له المال أو النجاح: السياسة ـ  يقول ـ هي تزوير، أينما حولنا وجهنا في العالم، لذلك يبغضها. صحيح أنه يأخذ بنظر الاعتبار إنه قضى معظم سنوات حياته تحت رحمة إرهاب السلطة الماوية ذات النظام الحديدي، وإنه يعيش الآن في بلد ديموقراطي قدم له أولاً ضيافته ومنحه قبل سنوات جنسيته، مثلما أنه لا ينكر أن هناك بعض الاختلافات بين نظام وآخر، أو "في الأقل درجات مختلفة من التزوير"، لكنه لا يملك الانطباع بأن الميزات تلك التي تمتع ويتمتع بها، تحمل بالضرورة نتائج طيبة.هل سيشعر المرء بالطمأنينة والراحة إذا قارن خيبات ظنه الوجودية، الأدبية والإنسانية، براديكالية يائسة ومتصلبة إلى هذه الدرجة؟ إذا قارن نفسه بما يفكر زملاء له بالكتابة، بمتشائمين سوداويين إلى هذه الدرجة؟ عندما كنت أكثر شباباً، كنت أقرأ إنشاءات جيفارا، وكلما تحدثت مع أحد من طهرانيي السياسة أو من طهرانيي الثقافة، كان ينشأ دائماً عندي شعور هو مزيج من القناعة بكل ما يقولونه يمتزج مع الخوف منهم، بعد ذلك، أروح ألوم نفسي لأنني لم أعترف بتلك الازدواجية الواضحة التي كانت تسيطر على مشاعري: الشعور بالفقر الداخلي إلى أعلى درجاته، الذي يمنعني بالرد على آرائهم، والذي يتقاسمه شعور عال بالحنق والرفض. فقط مع مضي السنوات رحت أجرؤ على الاعتراف بأن المبالغة بذلك الشعور توقظ أيضاً شعوراً بعدم الثقة. ذلك ما حاولت أن تزرعه عندي وبقوة جمل الفيلسوف الروماني، سيوران، رغم معرفتي إن الرجل الذي عاش ومات حانقاً في باريس، كان يشنع الوجود الذي أُجبر عليه، رغم أنه من الناحية العملية فضل قضاء ذلك الوجود في باريس وليس في رومانيا مكان ولادته، وهناك بالذات، في رومانيا وعندما كان لا يزال شاباً لم يتحدث عن سوداوية الحياة، إنما ساهم وبحماس بالعمل في صفوف حركة يمينية متطرفة فاشية، كان هدفها تحطيم حياة الآخرين وجعل وجودهم أكثر سواداً. في حديث كسينغيان الكثير من روح سيوران.أعرف أن حب الأدب لا يتغذى من الأمل بالحصول على المال أو بالحصول على الاعتراف العام، لكني لا أعرف أديباً ما في حياتي، سيكون سعيداً إن لم يكن في ذهنه دار نشر مهمة تنشر كتبه، وقراء من غير المهم عددهم القليل، يقرأون ما كتبه وما يكتبه، مثلما لا أعرف أديباً لا يحلم برؤية أعماله مترجمة إلى لغات عالمية عديدة. أن مَنْ عاش الفاقة وشعر بالتهميش والإلغاء من المتسلطين على الثقافة وصحافتهم الرسمية، إن مَنْ دخل السجن أو اضطر للجوء إلى المنفى، سيشكر بالتأكيد الرفاهية المادية التي تحمل معها القليل من المال، وأيضاً الانتباه الذي سيمنحه الآخرون لعمله. وفقط أولئك الذين تمتعوا بالراحة في حياتهم (وبالمساواة والحرية السياسية)، هم الذين يميلون للتقليل من شأنها. هناك عدد لا يحصى من الروايات السيئة والأفلام السيئة التي أُنتجت فقط بهدف الحصول على المال أو على الصعود الوظيفي والتي رغم ذلك لم تحصد النجاح الذي أرادته وأراده المروجون لها، نعم، هناك حالات تفشل فيها الدعاية مهما كانت قوية ومؤثرة. على عكس ذلك، هناك الكثير من الأعمال التي حفرت اسمها في تاريخ الأدب، اعتمدت على نفسها وعلى موهبة ونشاط مبدعيها فقط، دون دعاية وقفت خلفها أو سلطة حزب، دون دعم جهاز دولة رسمي أو تطبيل محرري صفحات ثقافية لجرائد حكومية أميين، (العراق يمكن أن يمنح عشرات الأمثلة في هذا الاتجاه). كان على مارسيل بروست أن يدفع من جيبه ثمن طبع عمله الخالد "البحث عن الزمن الضائع"، وكان يكتب تحت الشعور بالوحدة والأرق والسهاد، في غرفة مغلقة على نفسه، تفصله عن كل صوت خارجي، هكذا عازلاً نفسه، مستسلماً لحمى الكتابة، وكأن ل

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram