TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > قناديل: المستبد والموسيقى والصوت البشري

قناديل: المستبد والموسيقى والصوت البشري

نشر في: 16 أكتوبر, 2010: 04:55 م

لطفية الدليمي(1)لن أقول إن العراقيين صناع حضارة ومبتكرو موسيقى منذ سبعة آلاف عام  فهذا من نافل القول، ولكني أتحدث عن علاقة المستبدين بالأصوات ورعبهم من تحريضها للحرية.وخطورة ما يحدث في  بلد يحاول إرساء ديمقراطية  يطبقها  البعض  مقلوبة على قفاها  النقيض لحقيقتها،  وعلينا ان نقول ألف ( لا )  لمن  يحاول حظر الموسيقى في بلادنا ويحرمنا من بهاء الغناء..
كل مستبد وكاره للحياة، كاره للأصوات  ولا يطيق  سماع  أنغام  الجمال ..كاره الحياة  يقلب المعاني على أضدادها في فقه التحريم، تفزع  نفسه العكرة من كل موسيقى، يصاب بالهلع  من النغمة ويخالها قنبلة تفجر ينابيع الحرية،  يخيفه صداح الصوت بترنيمات  المحبة، هكذا يتربص  ذكور العتمة  بالعازف والمغني  والنساء، يحرمون آهة الشوق الإنساني التي تديم الوجود ، فاذا تسنى لهم  أن يظفروا بسلطة أو مكانة، عملوا على استلال  حبال الصوت من الحناجر فلا يبقون للناس  إلا نبرة تكفي  للبكاء  وقول : نعم ..يرتعب الطغاة عادة من أصوات تعلو على أصوات هذرهم وجهلهم فيحرمون النقاش والأسئلة وصيحات البهجة ورقصة الجسد الحي الذي يبشر باكتمال الفرح،  رعاة الخرس يتلصصون على فتنة الجسد وغناء  النساء في خفاء ازدواجيتهم وبه ينتشون ، ويرسلون عيونهم والجساسين ليصطادوا فتى وفتاة يعزفان  في زاوية من منتدى او يتبادلان عهود المحبة، يحرم  رعاة  الخرس  حمل عود أو كمان او آلة قانون ترتل قانون الحياة  بأصابع العازفين المهرة، لا يحتمل الواحد منهم رؤية ريشة  تجلو النغمات من أوتار عود او أصابع عازفة تراقص آلة الجلو، لا تطرب هؤلاء المتخلفين   سوى ضربات الطبول تؤذن بالحرب والقتال، لا تبهجهم  أغاريد الحب  وآهات المغني التي تصاعد فينا أشواق الحياة وتدفعنا لتهذيب أنفسنا وتعلمنا رقة القول  وحنان  الإنسانية وحلمها بما هو أجمل   ..تقضّ مضاجع  هؤلاء أصوات البشر وهي تردد أناشيد  الحياة أو مديح الجمال او قصائد العشق،فهل يوصد الطغاة نوافذ  بيوتهم و قلوبهم حين تغرد العنادل  أو يهدل اليمام..؟؟لعلهم كذلك !!rn(2)يستدعي  مسعى التغيير و التطور ان تكون الموسيقى وسيلة لإعادة صياغة روح الإنسان لترهف حواسه وترقى بذائقته وخصوصيته الإنسانية التي تميزه عن الضواري، وكلما استلزمت الظروف إرساء أسس حياة مدنية متحضرة تنأى عن قيم التخلف والكهوف - تطلب ذلك اعتمادها على معطيات الإبداعات البشرية من آداب وموسيقى ورقص  ومسرح وغناء  فجميع هذه المعطيات وبخاصة الموسيقى - ترقى بإنسانية الكائن وتنتشله من ارتداد الى الغريزة والعنف الضاري  وتقربه من معايشة حقيقة الحرية  ..  يكره المستبدون الكبار والصغار منهم  الصوت  بما أن الصوت جسد للمشاعر والمعاني ورجولة معلنة للرجال وأنوثة أكيدة للنساء،وهم لا يعترفون برجولة إلا رجولة القمع  والتحريم، الصوت الجميل، سواء كان نغمة موسيقى او نبرة إنسان، إنما هو روح تتجسد في الهواء وتضاعف قوة الإنسان الذي يريدونه ضعيفا مدجنا مفرغا من قوته وأحلامه وأشواق الحياة، يريدونه  صامتا ومستسلما لأوامر العتمة،  فالموسيقى والغناء  يوقظان  الهمم ويفجران السعادة والفرح في القلوب وهم يريدون قمع الإنسان بحرمانه من فيوض السعادة والمباهج  ويخافون هبوب الحرية من غناء الرجال والنساء، يريدون  بشرا تتحكم بهم سلطة التحريم التي لا تبيح سوى حرية الموت والأحزان، ويعلمون جيدا ان الأوطان لا تبنى ولا تتقدم بالمدجنين والخانعين، ولكن هل تعنيهم الأوطان بهذا القدر أو ذاك ؟؟،الأوطان  تقوم  وتنهض بالأحياء  الأحرار صانعي الجمال ومبتكري الأمل  وواضعي أسس  السلام  لكن المتزمت  يحكم على  آليات الفرح  وبهجة الحب ومتعة الرقص و طرب الغناء وبهاء الموسيقى  بأنها من مبطلات القوة ومثيرات  الفتنة  في الحشود  التي يريدها قطعانا  يسهل قيادها  وجموعا  مدجنة تختزل  أصواتها في التهليل والتصفيق والهتاف، وتختصر حركاتها في الانحناء وتقبيل الأيدي والرضوخ للإرادات المهيمنة وتكرس أرواحها -كما تدعي الشعارات الجوف - للتضحية  في كل عصر وأوان من أجل الوطن، مع ان الوطن لا يحيا بالموتى ولا يتقدم بحشود الضحايا  بل بجموع الإحياء من المجددين و العاملين المنتجين لقيم التحضر والتقدم الذين يغيرون  ويؤسسون  لحياة إنسانية تتسم بكرامة العيش  وتتشح بجماليات الفنون ..حظر الموسيقى والغناء هو أحد  تدابير تشويه الحياة وتقويض الأمل وتعزيز  الفناء والخواء  في بلد  الحضارة العريقة، ترى&a

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram