وديع غزوانمن أخطر الأمراض وأشدها فتكاً لأي بلد مهماً أوتي من قوة سياسية أو اقتصادية هي استشراء الفساد والرشوة في مفاصل مؤسساته الحكومية التي تعمل على نخر أي بناء فيها وبالتالي تقويض هذه المؤسسات وتحويلها إلى مراتع للمفسدين لتحقيق مآربهم،
على حساب مصالح المواطنين وحاجياتهم. في العراق ازداد غلواء هاتين الظاهرتين وتمادى ممارسوها بعد 2003، لأسباب كثيرة من بينها :عدم فهم البعض مفاهيم الحرية والتعامل مع هذا المفهوم بشكل خاطئ ومحرف أفقد القانون هيبته وقدرته الرادعة على العقاب،حيث ان ما حدث بعد 2003 فاجأ الكثير وافقدهم القدرة على التوازن و ضبط التصرفات، فعبر بعضهم عن احتجاجه وغضبه على الفاقة والحرمان والكبت والعوز بطرق مختلفة، فمنهم من سكن الدوائر والأبنية العسكرية وغيرها، وآخر أغار على مؤسسات الدولة وخربها وسرقها، بل ان سياسيين ركبوا الموجة واستخدموا أتباعهم للاستيلاء على دور ومنظمات ومؤسسات ووثائق تاجروا بها لمصالحهم، مظاهر وظواهر ما زلنا نعاني وسنعاني من تبعاتها لسنوات ليست بالقليلة، حيث عدها هؤلاء حقاً فرضه الأمر الواقع وتناسوا عن عمد أنهم قد تجاوزوا على حق الملايين من العراقيين عندما استولوا على ممتلكات عامة من، مساكن أو مكائن او آثار ووثائق. ما زاد في سوء الحال هذا، التخبط في قرارات بول بريمر سيئ الصيت مع ما رافقها من تفشي الفساد ومنح الامتيازات والمناصب على غير مستحقيها، ما آخر كل بناء بما فيه البناء الديمقراطي الذي تتقاطع مبادئه مع الفساد بكل أنواعه ومنه الرشوة .و ليس من باب ظلم الحكومات التي تعاقبت على العراق منذ 2003 القول إنها تتحمل جزءاً من وزر ما نعانيه،رغم ما ينبغي إقراره عن توفر أرضية خصبة لاستشراء هذه الظاهرة تراكمت منذ عشرات السنين، لكنها، أي الحكومات، تتحمل بعدد من قراراتها غير المدروسة وغير العادلة جزءاً من تفشي هذه الظاهرة ومنها على سبيل المثال وليس الحصر القرار الذي أتاح للنواب في الجمعية الوطنية أو مجلس النواب أو المسؤولين في الحكومة: وزراء ومستشارين وذوي درجات خاصة، منذ مجلس الحكم حتى الآن، الاستحواذ على رواتب تقاعدية عالية جداً، في حين لا يحصل من افنى زهرة عمره في الخدمة العامة على راتب يحفظ كرامته في شيخوخته في ظل غلاء الأسعار في كل شيء.ما قامت به هيئة النزاهة ليس بالقليل في ملاحقة أوكار الفساد في كثير من المجالات ومنها تقريرها لشهر أيلول المنشور قبل أيام . الذي كشفت فيه ان وزارات العدل والتجارة والبلديات (أكثر الوزارات تعاطياً للرشوة). وبغض النظر عن النسب التي أوردها التقرير، فان مجرد استمرار تفشي الرشوة في وزارات مثل هذه، على تماس مباشر بالمواطنين، يدق ناقوس الخطر ويدعو المؤسسات الرقابية ومنها بشكل خاص هيئة النزاهة والرقابة المالية ومنظمات المجتمع المدني ومجلس النواب المعطلة جلساته للانتباه إلى هذه الظاهرة لأنها خطر كبير يهدد العراق وبناءه الديمقراطي، ولا يقل أهمية عن ذلك الانتباه على ما في مدارسنا من مظاهر فساد تقلل فرص الحصانة من ان تنتشر بين جيل الشباب، ما يقتضي تهيئة جيل رقابي قادر على ان يعيد للمؤسسات التدريسية والتعليمية وجهها المشرق الوضاء. الفساد بكل أنواعه وصوره بدءاً من ابسط صوره المتمثل بالتعامل غير السوي مع المراجع في دوائر الدولة، وانتهاءً بصفقات المناقصات والرشاوى، مروراً بمنح الدرجات الوظيفية بعيداً عن ضوابط العمل الوظيفي ، تحتاج إلى جهد منا جميعاً مواطنين ومؤسسات وربما ينبغي ان نبدأ بإعطاء هيئات النزاهة صلاحيات لنشر معلومات أكثر دقة عن حالة الفساد التي تكتشفها وفضح الذين يقفون وراءها بعيداً عن العموميات التي تسود تقاريرها مع منحهم حصانة تحميهم من طائلة قوة ونفوذ هؤلاء، فحتى نقترب من الديمقراطية علينا ان نقترب من العدالة والشفافية في نشر المعلومات على وفق القانون من دون خوف، وقبل كل ذلك مطلوب من الحكومة، التي لا نعرف متى ترى النور، ان تجعل في رأس مهامها اتخاذ موقف جريء في التصدي لهذه الظاهرة المعيقة لكل شيء.أخيراً شكراً للنزاهة على جهودها رغم ما تتعرض له من ضغوط، لأنها تجعلنا لا نفقد الأمل بتحقيق النجاح في نهاية المشوار.
كردستانيات :الديمقراطية والفساد

نشر في: 16 أكتوبر, 2010: 05:19 م







