حازم مبيضين في الوقت الذي تتمسك فيه الخرطوم بوحدة السودان الترابية،فإن تطلعات الساسة الجنوبيين تتجه إلى انفصال تام وقيام دولتين متجاورتين، والأسباب لذلك كثيرة ومتوفرة،وهي أدت تاريخياً إلى أن يشهد الإقليم عدة أشكال من التمرد كان أشدها تأثيراً استيلاء الحركة الشعبية بنهاية الثمانينيات على حوالي 80% من إقليم الجنوب،واحتلال بعض المواقع في شمال السودان،
وكان الهدف المعلن لقيادة الحركة الشعبية قيام سودان جديد بنظام كونفدرالي،ولكن القواعد كانت أميل إلى الانفصال،وبعد مقتل جون قرنق في حادث الطائرة الأوغندية ضعف التمسك بالوحدة لدى قيادات الحركة. لم يكن أمام الخرطوم غير أن تقبل في نهاية الأمر بحق تقرير المصير للجنوبيين الذين يرى معظمهم أن استمرار الوحدة سيبقيهم أقلية في مجتمع عربي إسلامي، وهم بذلك سيحتفظون بموقعهم كمواطنين من الدرجة الثانية،في حين يرى المتمسكون بالوحدة أن الشمال بما يمتلكه من قدرات يمكن أن يلعب دورا إيجابيا في تشييد البنى التحتية وفي توفير الكوادر التي يحتاجها الجنوب،والشماليون أعرف بجنوب السودان من دول الجوار الأفريقية الأخرى،كما أن الجنوب الذي ما يزال محكوماً بالتقسيمات القبلية بحاجة إلى الشمال الذي يمكنه أن يضمن له قدرا من الوحدة،ويمنع انبثاق دعوات انفصالية بين مناطقه الثلاث. لعل قضية الهوية السودانية من أبرز الدوافع للانفصال،فلا العرب الشماليون ولا الزنوج في الجنوب يتفقون على هوية سودانية جامعة على الرغم من الدعوات الوحدوية التي كان من أبرزها تيار الغابة والصحراء، الذي اتخذ من شقه الأول رمزاً للعنصر الزنجي ومن شقه الثاني رمزاً للعنصر العربي، غير أن هذا التصور تراجع بعد تصاعد نبرة مصطلح الأفروعربية الذي فرضته إفرازات الصدامات الإثنية في داخل السودان وخارجه، ولم يجد أي من هذه الطروحات سبيلا للنهوض لان بعض العرب رأوا فيه اختباءً خلف المكون الأفريقي ليبخس قسط الثقافة العربية الإسلامية الأوفر حظّاً في السودان،في حين رأى فيه أهل الجنوب اصطلاحاً مخادعاً، القصد منه إعادة تنميطهم وسلبهم أفريقيتهم الخالصة، لينخرطوا في التركيبة الهجينة للسودانيين الشماليين. السودانيون ليسوا قومية واحدة بالمفهوم الأنثروبولجي أو السلالي، كما ترى الحركة الشعبية وإنما هم شعب واحد –بالمفهوم السياسي- تمازجت عناصره في فضاء جغرافي محدد، وأفق تاريخي معين، ولكل واحد منها مزاج،فالخيار أمام مثل هذه المجموعات هو إما الانتماء للوطن انتماءً مباشراً عن طريق المواطنة ودستورها، أو الانتماء له انتماءً غير مباشر عن طريق هوياتها الصغرى، سواء كانت دينية أو عرقية أو ثقافية،وبناءً على ذلك فإن المطلوب اليوم هو الاتفاق على الهوية الجامعة للسودانيين إذا ما كان مقدراً لهذا البلد أن يبقى موحداً ،وستكون الإجابة على ذلك بعد استفتاء كانون الثاني 2011م، والذي سيُحدد بموجبه مصير جنوب السودان إما في عباءة دولة السودان الموحدة، أو تحت عَلَم دولة مستقلة قائمة بذاتها، تشارك السودان الشمالي في حدود سياسية متنازع عليها، وثروات طبيعية سيجري تقاسمها بين دولتي الجنوب والشمال. مؤكد أن انفصال الجنوب سيؤدي إلى تداعيات سياسية في الشمال، خاصة إذا ما كان انفصالاً متوتراً صحبته عمليات عسكرية أو انفلات أمني، وأهم تلك التداعيات زيادة وتيرة الاضطرابات السياسية في أقاليم السودان الشمالية مطالبة بالمزيد من الحكم اللامركزي ومن اقتسام الثروة مع المركز وسيزيد الاستقطاب السياسي بين الحكومة والمعارضة، وسيفقد الشماليون حصتهم من نفط الجنوب،وسيؤدي ذلك إلى الضغط على الحكومة التي ستضغط بدورها على مواطنيها. وبعد ،ماذا لو انفصل الجنوب؟ المؤكد أن الشعوب العربية سترفض ذلك لأنها لا تريد انفصال أي جزء من الجسد العربي تحت أي مسمى وبأي ذريعة،وهي تخشى أن يقود ذلك إلى حالات مماثلة في كل أقطار الوطن العربي،أما موقف الدول العربية،وهل تعترف بالدولة الجديدة،فإنه مرتبط نوعاً ما بموقف الخرطوم،فإن اعترضت على نتائج الاستفتاء فإن العديد من الدول ستأخذ ذلك بعين الاعتبار،والأكثر أهمية هو هل سيتم الانفصال بصورة قانونية وسلمية وسلسة تسمح بالتعايش وحسن الجوار في ما بعد أم سيكون الأمر عكس ذلك.
خارج الحدود: ماذا لو انفصل الجنوب؟

نشر في: 20 أكتوبر, 2010: 05:17 م







