علي عبد السادةثمةَ جمهورٍ يعتادُ الانتظار ويتعايش معه، بينما تنشغِل صالونات الفرقاء بعُقدِ الحكومةِ ودهاليزها.وثمةَ جمهورٍ يتواصلُ مع أوجاعهِ اليومية بطريقةٍ تُثيرُ الدهشةَ. ولنا أن نتخيل، معها، لائحة طويلة من الوعود وهي تدور، مثل كابوس مزمن، في رأسٍ موجوعٍ بفراغ الحكومة.
ربما يأتي السياسيون، ومعهم منشغلون كثر بإتمام الأزمة بدقة وروية، على مثل هذا التذكير العابر بالناخبين، ويسردون، في الدفاع عن وقتهم المستغرق منذ السابع من آذار الماضي، لغة الضرورة في الخروج بحكومة قوية تتيح، حتى رمقها الأخير، الشراكة للجميع.لكن الجمهور، اليوم، ومنذ "أيام البنفسج"، شغوف ببرد سياسي يخفف وطأة الوعود الساكنة في الانتظار: ماذا لو سأل الفرقاء اليوم ناخبيهم عن وجهة نظرهم في أزمة الحكومة.. لن يكون الجواب أكثر من أحلام الكهرباء، السكن، الماء، و...و...!لذلك، فان الحديث عن الرأي بـ"وتيرة" المفاوضات، و"مرونة" المفاوضين، وسعة صدر المتشددين والرافضين والمعرقلين والواضعين الأوتاد في العجلات، مبعث نقم وتذمر ويثير غضب المتعايشين مع انتظارهم الأثير.يقول سياسيون عراقيون إن ما يجري طبيعي للغاية، فجدة الديمقراطية وحداثة التجربة الحزبية، و"صبيانية" بعض الأفعال السياسية و"انتهازية" بعضها الأخر، سمةُ طاغيةٌ للازمان الانتقالية؛ كل شيء فيها استثنائي، ما يعني إن جيلاً يعاصرها سيعصره الانتظار. هؤلاء، وبلغة لا تعترف بالواقع والضرورات، سئموا مجايلة الأزمات.بيد أنّ هذه المقولات الغارقة بالتنظير، مثلما هي قريبة من وصف الواقع المتورط ببديل الديكتاتورية والمرتابة ممن يشوهه، فإنها، أيضاً، لا تُسلِّكُ نفسها بين أزقة مظلمة وأكوام أطفال بلا مأوى.بات مثل هذا التذكير غير واقعي بينما تشتد وترتخي حبال الوصل بين الفرقاء، فالانشغال اليومي المحموم بلون وطعم ورائحة الاستحقاقات الانتخابية، يجعل الأمر يبدو هكذا. ذلك لان قواعد اللعبة الراهنة عليها المرور، بشكل استثنائي، بمحطات لا يمر بها قطار الناخبين؛ هؤلاء يمرون فقط حين تؤشر بوصلتهم مصالح الحياة الكريمة.يبدو عسيراً جداً إسقاط مثل هذا الخطاب المشحون بالعاطفة على واقع سياسي يعج بالتناقضات والتغيرات المتسارعة، ومع ذلك تتصاعد الحاجة إلى صوت الجمهور لخلق توازنات في الرأي العام.. العرف الديمقراطي يحتم حضورهم الضاغط، بعض الساسة في هذه البلاد لا يتركون بمفردهم في غرف عازلة للصوت، يقفلون على أنفسهم باب التخندق والانزواء.. مثل هذه الصالونات ينقصها صوت الجمهور ليتزن خطابها السياسي.ثنائية الجمهور – النخب السياسية، لا تتحمل، في هذا الظرف الاستثنائي، الكثير من التنظيرات والنقود والاتهامات. ما يجري، بشأنها، ابنٌ شرعيٌ لطبيعة التحولات في البلاد. ومادام الاتهام يساق، بين الحين والآخر، لتغييب الجمهور نفسه في مفاصل مهمة من العملية السياسية، فالأحرى أن نتيح له مزيدا من الوقت ليمسك اللحظة السياسية الجديدة. ألم يبق مجبراً على الصمت طوال ثلاثة عقود؟ هذا الجمهور يطلب الوقت ليتعشق مع "دولاب" العراق الجديد، وهذه النخب بحاجة إلى آذان كبيرة لتسمع بشكل واضح صوت التحول البطيء.ربما في المرة القادمة لن تتأخر الحكومة مثلما يحدث اليوم.
فــــارزة :جمهور يتعايش مع الانتظار

نشر في: 22 أكتوبر, 2010: 10:24 م







