علي عبد السادةسلمنا بانشغال الفرقاء بوجه وثائق ويكيليكس السياسي، واستثمارهم له في خصومة الحكومة الجديدة .. فهذه محطتهم الاستثنائية الأهم، لكن من الصعب بمكان التسليم بإهمال الرأي العام المحلي صوت الضحايا، ولم يعد مكلفا، بعد اليوم، اكتشاف حاجته الماسة الى إتقان فرز الضجيج السياسي عن الإنساني المغيب.. الرأي العام في هذه البلاد متورط بصدى صالونات الكتل السياسية،
انه جاهز دائما لنقل إشارات السجال والصراع بشكل حرفي.. ويكيليكس كان فرصة ذهبية لينفي هذه التهمة، وقد أضاعتها السلطة الرابعة.باستثناء ذلك، فان الوجه السياسي لتلك الوثائق لم يكن ناجحا ومقبولا منذ ردود الفعل الأولية عليه. فمن الخطأ الاعتقاد ان "أسرار" الاسترالي الغامض، جوليان اسانج، قد أضرت بنوري المالكي. على العكس تماما، فقد أظهرته وحيدا يقف في جبهة الخصومة مع كتل سياسية في الداخل قد تكون متضافرة مع "أجندات" إقليمية. وجعلت منه رجلا شجاعا محاصرا بالمؤامرات والخطط التي تهدف إسقاطه او إبعاده عن ولاية ثانية للحكومة. لذا فان القائلين بقصدية ويكيليكس على دولة القانون، عليهم اليوم الاعتقاد بفائدتها له.ورغم ان الحديث الأهم، والذي من المفترض ان يحظى دون غيره بالاهتمام والمعالجة وهو ذلك الإنساني المتعلق بعديد الضحايا المعلن عنهم، الا ان إعلان ويكيليكس اخفق في ان يتماثل مع وصف معلنيه: نية محايدة لكشف الحقيقة ليس الا. فتوقيت النشر المتزامن مع مفصل مهم في الحياة السياسية العراقية اضعف حجة اسانج واذهب عنها الحياد كما يقول. كما ان هذا الأخير بدأ يتصرف كنجم سينمائي منذ ان انفض مؤتمره الصحفي ليلة الجمعة الماضية:"مخابرات العالم تلاحقني، وأنا أتنقل بسرية".مكتب المالكي بدا منفعلا في رده السريع جدا على الوثائق صباح السبت الماضي، وقد يكون هذا الانفعال سببا في نسيان البيان لنقاط مهمة كان بمقدوره حسم معركة "الشفافية" منذ ساعاتها الأولى:"الوثائق تغطي فترة حكومات اياد علاوي وإبراهيم الجعفري ونوري المالكي، هذا الأخير تحمل وزر الـ 400 الف وثيقة لوحده. وهي أيضاً انتقائية لدرجة انها ركزت كثيراً على فرق الموت – وهي جماعات تتحمل الكثير مما جرى من عنف في البلاد – فيما تغاضت، او تناست، دور القاعدة في العراق ودول جوار غير ايران. ولو كانت حجة ويكيليكس ان جرائم التنظيم الإرهابي معروفة للعالم، وانه بحاجة الى معرفة ما يدور في دهاليز السجون العراقية، فأن العراقيين يعرفون الكثير عن أبطال الحروب كلما تمظهروا بالقاعدة او المليشيات او بقايا البعث". كل ما فعلهُ اسانج ابعد ما يكون عن كشف الحقيقة، ومن غير المنطقي القول انه يمثل، اليوم، حامل لواء حرية التعبير عالميا. المؤسسة الصحفية التي يديرها هذا الاسترالي دخلت اللعبة وباتت ورقة ترمى على طاولات حسم عقدة الحكومة. وعلى افتراض ان الرأي العام بات مقتنعا بـ"الانتقائية" و"النية المبطنة" في دخول أزمة الحكومة كلاعب جديد بالنسبة لويكيليكس، فأن عليه اليوم إعادة قراءة الوثائق من باب الضحايا، هناك أطفال ونساء ورجال قد يكونون مدنيون أبرياء .. هؤلاء لديهم صوت يلف البلاد وينتظر رأيا عاما يتلقى صداه.وهنا يمكن السؤال: ماذا لو تشكلت الحكومة وانتهت أزمة مفاوضات الشهور السبعة، هل تذهب تلك الأصوات الموجوعة إدراج ريح الفراغ الدستوري؟هناك فرصة أخرى للرأي العام لينجح في اختبار مثل هذا ويتخلص من صدى الخصومات السياسية.
نقطة ضوء: السـقـوط فـي اختبـار ويكيليكس

نشر في: 25 أكتوبر, 2010: 07:22 م







