علي حسينعندما تشاهد على شاشات التلفزيون، صورا ليهود عراقيين متمسكين باحياء تقاليد آبائهم واجدادهم الذين ولدوا وعاشوا في العراق، ماذا يخطر ببالك؟ لاادري، اما انا فيخطر لي ان ارفع برقية اعجاب وتقدير لهذه النفوس التي لاتريد ان يغادرها الحنين الى اوطانها.
تشكل سيرة اليهود العراقيين ادانة اخلاقية ليس لجوهر الفكر الصهيوني فقط بل للكيفية التي تعاملت بها الدول العربية ومنها العراق مع اقلياتها اليهودية التي كانت جزءاً من النسيج الاجتماعي للبلاد، بل ان ابناء هذه الطائفة عملوا كل ما بوسعهم لخدمة اوطانهم الاصلية، تقدم لنا حكاية ساسون حسقيل الأقتصادي و الرجل المالي الكبير الذي تولى وزارة المالية خمس مرات في اوائل تأسيس المملكة العراقية، انموذجا للتفاني والاخلاص فالرجل ومن شدة حرصه على المال العام قد ذهب اسمه مثلا، فتجد العراقيين يقولون لمن يتشدد في امور المال " يمعود لتحسقلها زايد "،يكتب علامة بغداد جلال الحنفي في كتابه معجم الالفاظ العامية البغدادية: " ارتبطت مفردة حسقله بوزير المالية ساسون حسقيل الذي عرف عنه حرصه الشديد على ميزانية الدولة العراقية وتشدده في امور الصرف ". ويقول عبود الشالجي في موسوعته " الكنايات البغدادية " ان مفردة حسقلها جاءت من كلمة حسقيل وهو اول وزير مالية عراقي عرف بتشدده ومحاسبته في كل مايتعلق بشؤون المال.ولعل من اشهر الروايات عن الوزير ساسون حسقيل ماجرى بينه وبين ناجي السويدي الذي كان وزيرا للداخلية حول مبلغ "45 " دينار والتي كانت ضمن التخصيص المالي الذي قدمه ناجي السويدي الى وزير المالية لترميم بناية "القشلة "التي كانت انذاك ثكنة عسكرية: السويدي: سيد حسقيل لماذا اقتطعت (45) دينار من الـ (300) دينار المخصص لترميم بناية القشلة وفق تخمينات المهندس المسؤول. ساسون حسقيل: يا سيد ناجي افندي ناقشت هذه المسألة مع المهندس في موقع العمل ودار بيني وبينه حديث طويل وتوصلنا الى نتيجة مفادها بأن (255) دينار تفي بالغرض. ناجي السويدي: خلف الله عليك ساسون افندي اليس بالامكان اعادة مبلغ التخمين الى (300) دينار. ان القشلة من المعالم التاريخية لبغداد.ساسون: سيدنا الحفاظ على المعالم التاريخية في بغداد يجب ان يكون متوازيا مع الحفاض على المال العام. وبعيدا عن الأهدار فالأهدار يجعل من المال (سائبا) والمال السائب يعلم السرقة ولاعجب ان تخرج بغداد باسرها تشيع جنازة الوزير ساسون يتقدمها الرصافي راثيا:نعى البرق من باريس ساسون فاغتدتبغــداد أمّ المجد تبلى وتندبولا غــرو ان تبكيــه اذ فقــدت بهنواطق أعمالٍ عن المجد تُعربومن الحكايات التي احاطت باسرة حسقيل حكاية الحب التي جمعت بين امين العاصمة محمود صبحي الدفتري واحدى قريبات ساسون وقد كانت فتاة على جانب كبير من الجمال اسمها " جانو "، لكن يبدو ان الظروف كانت اقوى من العاشقين، فتعذب الدفتري لصد محبوبته ولم يعرف كيف يفوز بقلبها فكلف صديقه عطا الخطيب مفتي بغداد انذاك بان يكتب له ابياتا من الشعر عسى ان يلين له قلب المحبوبة فكتب الخطيب بيتين ظريفين سرعان ماتناقلتها الالسن في بغداد: محمود صبحي الدفتري ياجانوزادت به من بعــــدك الاشجــانُعجب الانام بما رأوا من حالــه حتى اليهود تساءلوا " وي! اش جانوا"هكذا عاش العراقيون مسلمين ومسيحيين ويهود قبل ان يظهر دعاة "التحرير " الذين ناضلوا من اجل أن يرموا اليهود في البحر فكان ان رموا بأوطانهم الى مستنقع الحروب والعوز والقتل على الهوية.
العمود الثامن: حتى اليهود تساءلوا!!

نشر في: 27 أكتوبر, 2010: 05:12 م







