لطفية الدليميهو فنان وبوهيمي منضبط، كردي عراقي بمحمولات رافدينية وكونية، طفولي النزعات ساخر ، مباشر وجريء في الفن والحياة، بوهيمي يقدس عائلته الجميلة ، العائلة النموذج في وعي العلاقة الرفيعة بين الفن والجمال والمحبة ، متصوف بلا طريقة وفنان بلا مدرسة سوى مخيلته الخصبة، إنه الرسام صدر الدين امين.
الفنان صدر الدين أمين الذي يوقع رسائله كل مرة بصيغة ساخرة من تحويرات اسمه، لوحاته أمثولة لوجود حيوي مفارق للمألوف في خروجها على النمط ومغايرتها لخزين الذاكرة،تمضي بنا الى عالم متخيل يعج بما لا نتوقعه من الخلائق والرموز والأشكال غير المسبوقة التي ابتدعتها مخيلة الرسام وتقف اللوحة على البرزخ بين الدهر في سرمديته والزمن الأرضي في إنقطاعاته، وتلك مجازفة بالمعاني ومخاطرة بالمعرفة السكونية للعالم المتوقع .. لا الرسام ولا اي منا يعلم من نكون في عماء هذا العالم، لذا نتراكض في اللعبة بين الكلمة وبين الشكل واللون ونجاهر ببحثنا اللاهث عن فراديس مضيعة لا وجود لها الا في المخيلة وفي طوايا اللوحة أو النص، الفردوس المفقود هو اللامكان، يوتوبيا الحلم التي يستحيل الامساك بها، لذا يجمدها الفنان في لوحة و يبثها كعلامات، يفنى فيها مثل صوفي وحيد،يلاحق التجربة مرارا ولا ينتظر الفوز بها،الفنان سليل لهذا الشرق وصمته المرعد ،ابن الحضارات العظمى،بمعنى ان الصمت المشرقي لديه محرك ودينامي وليس صمتا ذاهبا إلى العدم،فهو الكلمة الفاعلة سواء في ثقافة الزن اليابانية او الفيدية الهندية اوالتاوية الصينية او الزرادشتية أو في الإرث الثقافي الإسلامي لأهل الكلام والمعتزلة والمتصوفة،الكلمة لب الفكرة والجمال والحلم منذ اول كتابة صورية خطها السومري على الطين حتى امتزاج المتخيل بالطبيعي والواقعي بالأسطوري في لوحات العراقي الكردي الموغل في بدائيته وفرديته : صدر الدين أمين. صيغه التشكيلية تحفل بالنجوم والشموس والتهويمات الصائتة شبيهة الترانيم الغامضة لناس الكهوف،لا ندركها بمعايير لغوية ولا نؤولها باعتبارها نصا او فكرة بل نستقبلها كما هي: فورة لونية وانفلات من المحددات الخليقية التي ينسخ فيها المخلوق ما سبقه في التشكل والظهور.. قد تشبه إحدى لوحاته أسطورة نعرفها، وتماثل لوحة أخرى إحدى حكايات الجن وتمضي ثالثة في التخفيف من غلواء الأشكال المستقرة في ثباتها الأبكم، فتحلحل الشكل وتضعه في مأزق التحول الميتامورفيسي (الانمساخ)– الجمالي الذي يزود بعض الكائنات بأقدار وطاقات يبثها اللون في تألقه والتحولات في غرابتها،لنتعرف او لا نتعرف بالأحرى على كائنات لا مسماة ولا شبيه لها في مخزوننا الواعي لكنها تتناغم –في اعماق ذاكراتنا الجمعية- مع أحلامنا ومخاوفنا ورغباتنا وتكشف عن ارتباطنا المغيب بالأرض والطبيعة وانفصالنا عن الكون الذي حجبتنا عنه الأطباق اللاقطة والهوائيات وفورة الاتصالات والصخب وجنون الحروب والعنصرية وتصنيف البشر الى مراتب وطوائف تتجه بوصلاتها إلى اغتيال الجمال وفقدان التواصل.. ما الذي يسعى إليه جموح الفنان ؟ أليس مبررا له ان يمارس ألعابه الخرافية بمنأى عن محددات الشكل المخلق قبل لحظة انسحار المخيلة..؟من أين تهب على مخيلة الفنان الكركوكي هذه الأعاجيب الكونية ومخاليق المسخ الأوفيدي والتنانين الزرق والسحرة المقنعون والنساء الغائبات كالجنيات وحوريات الحلم- في محيط مائي مكتظ بالحيوات الغرائبية.؟ مقولة ( جلال الدين الرومي) تزيح المصطلح النقدي وتعري الفكرة من كل ما علق بها من تأويلات التلقي والتعاطي مع المتن الفني البدائي، المقولة تشير الى بلاغة التلقي لدى المتصوف العارف: (المعنى يقفز من الصورة كما يقفز الأسد من الغابة).... الغابات بأسودها وضواريها وفرائسها ومتاهات الضوء وانكسارات الظل وياقوت فجرها وأفاعيها وتنانين خرافاتها تطلق أسد المعنى أشبه بوميض يبرق من أحشائها فيعوم المعنى فوق اللغة ويفلت من تقنيات اللفظ وصياغات الكلام، المعنى أسد يقفز من صورة ! فلماذا يجهد النقاد ويبحثون عن غرائب المصطلحات التي ضبطت على قياسات نقاد سبقوهم ومحددات غريبة عن ابداعهم ؟؟(البحث عن قفزة الأسد من الغابة)،هذا هو الانطباع الذي تتركه لدي أعمال الفنان صدر الدين أمين وتباغتنا فيها الكائنات العجائبية وهي ترقص على لحن من موسيقى البلوز الحزينة لتطيح بالتأويلات والتفسيرات الأدبية المقحمة على مفردات العمل الفني وتقف هكذا معراة من التوصيفات و الأسانيد النقدية وحدها في مواجهة الكون وذاكرة الفنان الرافديني المغترب في بنسلفانيا الأمريكية.
قناديل: البحث عن قفزة الأسد فـي الغابة

نشر في: 30 أكتوبر, 2010: 05:40 م







