TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > العمود الثامن: في حب المسيحيين -2 .. حرف الجر بثلاثين ديناراً!!

العمود الثامن: في حب المسيحيين -2 .. حرف الجر بثلاثين ديناراً!!

نشر في: 3 نوفمبر, 2010: 05:33 م

علي حسينلم يكن الكرملي مثقفا جامعا للطوائف والمكونات العراقية فحسب، بل كان قادراً على التعريف بالعراق ونقله الى أفاق  أوسع وأرحب، كان هذا القس واحدا ممن صنعوا الثقافة العراقية  في مرحلة حاسمة من تشكل الوعي، وقد كان أثره طاغيا،و بصماته واضحة، نظر  للإسلام بوصفه التجلي الحقيقي لعبقرية اللغة العربية، ولذلك كرس كل جهده لخدمتها.
مازلت أتذكر المرة الأولى التي شاهدت فيها صورة"ابونا"الكرملي،  كان ذلك في عيادة الطبيب البير حكيم التي كنت أتردد عليها بصحبة والدي حيث يستقبلنا الحكيم البير بابتسامته الرقيقة والسمحة وببركات سيدنا المسيح التي يمنحها لزواره وبعلمه الغزير الذي يشفي به مرضاه، هناك وقعت عيناي على صورة لرجل عجوز تغطي لحيته المساحة الأعظم من وجهه وحين سالت الطبيب عنه قال انها صورة"الأب انستاس الكرملي"، اعتقدت حينها ان الكرملي هو والد الطبيب البير مادام يسمية بـ"الاب"، بعد سنوات أصابتني الدهشة وأنا أرى اسم الأب الكرملي على اعداد من مجلة لغة العرب حصلت عليها  من احدى المكتبات لاكتشف ان صاحب الصورة واحد  من بناة النهضة الحديثة في العراق، استطاع من خلال مجلته  لغة العرب ومجلسه الشهير في كنيسة اللاتين ان يؤسس لثقافة عراقية حديثة مع نخبة من تلاميذه وأصحاب التفوا حوله، مصطفى جواد، كوركيس عواد، مير بصري، عباس بغدادي، جلال الحنفي، حامد الصراف، عباس العزاوي، علي الشرقي و الشيخ  محمد رضا الشبيبي، وقد اعتاد الكرملي ان يضع في مواجهة زائريه لوحة كتب عليها"ممنوع الحديث في الدين والسياسة"فلا حديث يعلو على حديث الثقافة والفكر.يروي كتاب سيرة الكرملي ان الرجل كان مغرما بسماع القران الكريم بصوت المقرئ الشهير الحافظ مهدي "اذا أردت ان تكتشف عظمة القرآن الكريم عليك فاسمعه بصوت الحافظ مهدي"الكثير من الطرائف كانت تحدث في مجلسه، ومنها  ما كان بينه وبين تلميذه مصطفى جواد، فقد  كان الكرملي مشهودا له بمجامع اللغة العربية بانه عالم كرس حياته لخدمة لغة القران، عرف عنه تزمته وتطرفه في كل ما يتعلق بقواعد اللغة، وقد دفعه هوسه هذا الى ان يؤشر على كل خطا بقلم ذي لون ازرق وعن كل مسالة صحيحة بقلم باللون الاحمر وكان الامر هذا يغيظ  مصطفى جواد الذي كان يعتبر ان اللون الاحمر تؤشر به الاخطاء ولم يصبر على ارتكاب أستاذه لمثل هذا الخطأ الفادح وتجرأ يوما فقال: "أبونا، الشائع هو أننا نستعمل اللون الأحمر للتأشير على الخطأ واللون الأزرق للتأشير على الصواب، وأنت تفعل عكس ذلك تماماً".فاستعدل الكرملي في جلسته فرحا فقد وجدها فرصه  كي يلقن تلميذه النابه درسا في اللغة:"هذا كله خطأ شائع. فأجدادنا العرب كانوا مغرمين  باللون الأحمر. يثنون على حمرة الخد ويتغنون بحمرة الورد ويلبسون الثياب الحمراء في الأعياد. و كانوا يكرهون اللون الأزرق، فهو لون عيون الإفرنج أعدائهم. ويصفون البلاء بالبلاء الأزراق. ويصفون الموتى فيقولون، ازرَقَّ لـَوْنـُهُ  وقد أوقعة حبه  لتصحيح الأخطاء في مقالب عديدة كان منها انه تسلم صكا يقول"ادفعوا لأبونا انستاس ماري الكرملي ثلاثين دينارا فقط."ما ان رأى الكرملي  ذلك الصك حتى اخرج قلمه الأزرق وشطب كلمة لابونا  و وضع بدلا منها"الى ابينا".. قدم الصك للبنك فرفضت الموظفة صرفه لوجود تلاعب فيه، افهمها سر التصحيح. بيد انها لم تعبأ بذلك، فما كان من الكرملي الا ان  رمي الصك في سلة النفايات وهو يقول للموظفة: تريدين مني ان أتجاهل حرف الجر الذي يجر حتى الجبال من اجل ثلاثين دينارا!؟. سلام عليك أيها الأب الطيب، سلام على العراق وهو يلوذ بك حاملا صليبه، سلام على أبنائك  مسلمين ومسيحيين وهم يصرون على ان تختلط ملامحهم  بملامحك وجهك السمحة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram