ثمة بعض الصمت اليوم عن علاقة الشاعر بإرثه الشعري التاريخي، سوى القلة. نحسب أننا لسنا أول من يقدّم اقتراحاً للتفريق بين المفردتين (التراث) و(الإرث). استخدمت مفردة التراث في الأدبيات العربية القريبة بمعنى أيديولوجيّ غالباً، فصارت رديفاً للاعتزاز
القوميّ الصافي بالمرويات والسرديات والكتابات الكلاسيكية التي اُعتبرتْ خلاصة لروح الأمة ومجدها. وعلى الرغم من وجود آلاف المرويات والكتابات والمصنفات التي لا تتطابق مع الفكرة الثابتة عن صفاء هذا التراث ومجده، فلم تجد هذه الآيديولوجيا القومية حلاً لذلك سوى القيام باستبعاد ما لا يعجبها أو غض الطرف عنه أو التنكر له بطريقة اعتباطية، أو اعتباره ببساطة، غير موجود أصلاً. خذ مثلاً أدب الزندقة والأيروتيكا ومصطلحات عدة مثل (الحيل الفقهية) و(الخليج الفارسي) التي يستخدمها ابن خلدون، وغير ذلك الكثير. الآيديولوجيا اليسارية بطبعتها العربية قامت من جهتها بانتقاء ما يعجبها وسلطت الضوء عليه وحده، مثل حركات القرامطة والزنج والمعتزلة وحركات الهامشيين والحشّاشين وما يتعلق بالحياة الاجتماعية وشروط عيش الصناع وشغيلة الأرض وما إلى ذلك. أما (الإرث) فإنها مفردة محايدة إلى حدّ معقول، ومن دون كثافة آيديولوجية، لأنها تشير إلى جميع أنواع سرديات الماضي دون تفضيل شيء منها على آخر. إنها رديف للميراث الذي نرثه عن أجدادنا بقضه وقضيضه، دون اتتقائية التراث المنتخَبة عمداً. نحن من يختار ويقرأ الإرث دون مساءلة "تراثية" مُسبَقة عن مضامينه.بين التراث والإرث وشيجة أيضاً: إنهما يشيران إلى الماضي، الأول افتراضيّ قليلاً، والثاني له امتدادات بديهية في الحاضر. لذا يصير الأخير جزءاً من الفعل الأدبي المعاصر والكتابة الشعرية المحايثة. كم من الشعراء الجدد متحفّز ومنتبه وراغب في مقاربة هذا الإرث العريق؟. إنني أعيدُ هنا ما قد أُعيدَ علي مسامعي في العشرينيات من عمري. يا للمفارقة. ففي منتصف السبعينيات كتب الراحل الشاعر يوسف الصائغ مقالة أظنها كانت بعنوان رسالة إلى شاعر شاب في أسبوعية "الفكر الجديد" يُعْلن فيها ضمن ما يُعْلن نصيحته للشاعر الجديد بأن يعود إلى تراث الشعر العربي ويقرأه، فرددتُ عليه في الصحيفة نفسها بمقالة متحمّسة بعنوان "رسالة من الشاعر الشاب إلى الشاعر الشيخ" ذكرتُ فيه، من بين أشياء أخرى، بأننا غير مُلزمِين باستعراض كتب التراث التي نقرأها. كنت حينها منهمكاً في "كتاب الأغاني" للأصفهاني وليس شيئا سواه، وكنت قد استعرته من بيت أستاذي الجليل وزوج خالتي الفقيد غازي الأخرس، والد الشاعر والناقد محمد غازي الأخرس. لا نسمح لأنفسنا اليوم مثلما بالأمس أن نطالب الشعراء الجدد بأن يستعرضوا معارفهم بالإرث الشعري العربيّ.لكن القراءة الصاحية للنصوص الشعرية والمقالات الأدبية الراهنة لا تشفّ عن اهتمام كبير بهذا الإرث، بل أنها تستخف به لصالح مقولات جاهزة عن قصيدة النثر، وطروحات عن الشعر تقلِّل من شأن الإرث الشعري البعيد والقريب. ولو أننا قدّمنا استشهادات موثقة لهذه العجالة في التعاطي مع الإرث الشعري لوقفنا أمام أمر جلل من الصعب دحضه بمزاعم التجاوز والحداثة والانقلاب الرقمي الواقع على وسائل الاتصال والعلاقة بالتالي مع اللغة نفسها. من أين تجيء فكرة أن العالم الرقمي قد قضى نهائيا على اللغة؟. بشكل غامض كتبت قارئة عراقية تعيش في ألمانيا في الفيس بوك تذكر أن لا ضرورةَ لقراءة ترجمات ريلكه إلى العربية لأننا في العالم الرقمي. لم نفهم من ذلك سوى الاستخفاف بعلاقتنا باللغة وإرثها الذي لا أظن أن الناطقين بالألمانية أنفسهم يستخفون به. من الظلم وضع الجميع في سلة واحدة، فإننا نعرف من هؤلاء الشعراء المحايثين، مثلنا في عشرينياتنا، من يشتغل على هذا الإرث الشعري أذكر منهم على سبيل المثال فقط أصدقائي السوري ماهر شرف الدين والتونسي صلاح بن عياد والعراقيين أحمد عبد الحسين ومحمد مظلوم. هذه أمثلة تحضر الآن إلى الذهن على الفور من بين أسماء قليلة أخرى، قليلة بالفعل ونكاد نتهمها بسلوك طريق مارق مقعّر، مناهض لعصرنا، كأن عصرنا قد قرّر أن يشيح يوجهه عن القراءة المتنوِّرة للإرث الشعري المحلي.لو منحنا كلمة التراث معنى الاعتزاز بإرث الأمة العربية، فلا تبدو شريحة الشعراء السائدة اليوم في الميديا مهتمة بأي مجد. بل تبدو، ظاهريا في الأقل، عدمية ومن دون انتماء إلا للكلام العابر والشعر المترجَم والاعتزاز بالذات المكتفية بسعادتها الهوائية وتكلُّف مجاملات اجتماعية في منتديات الاتصال الجماعيّ تحت لواء الشعر العربي.ولو أننا منحنا كلمة الإرث معنى الميراث الواصل إلينا رغماً عنا عبر اللغة والمرويات والأشعار الكبيرة والصغيرة، الإرث الذي نرثه من أقارب ميتين كما نرث ارثاً معمارياً، بيتا، قصراً، خاناً، بناية، فإذنْ علينا التصرّف فيه بطريقة أخرى وعدم تركه نهباً لتآكل الطبيعة والزمن. هذا بالضبط موقف الأوربيين من إرثهم اليوناني والروماني الذي يعيدون قراءته وفحصه كل لحظة وبعيون متيقظة معاصرة، جدّ معاصرة حتى أنه لا يمضي شهر واحد من دون صدور كتاب عن الفلسفة اليونانية أو
تلويحة المدى :الشــاعـــــر و"تـراثـــــه"

نشر في: 5 نوفمبر, 2010: 05:30 م







