عاش مسلماً بين المسيحيين ومسيحياً بين المسلمين، واختار الصحافة ديانة وعقيدة، استاذ فريد في فنه، أسس أول دار صحافية في العراق، مدرسة تدرج فيها كثيرون وتخرج فيها اعلام الصحافة العراقية. بدأ الحياة من تحت الأرض، والصحافة من تحت الفقر، وارتقى وارتقى ولم يوقفه عن الارتقاء سوى الموت.
كان يتيماً بلا أب، وكريماً بلا حدود، ومحباً للحياة والصحافة بلا حساب، لا تعرف إن كان يعشق الحياة من أجل الصحافة أم يبرع في الصحافة من أجل الحياة. وكان ظريفاً آسر الحضور إذا ضحك، وآسر الحضور إذا غضب، ويغادر المكان إذا ثار، ثم لا يلبث أن يعود، ضاحكاً من نفسه، معتذراً، مثل طفل، عما فعل، شديد الأناقة، يليق به أي شيء، وكان يغير البدل يوميا نكاية بسنوات الفقر واليتم والجوع،، ويسهر الليل حتى آخره، ويعمل النهار حتى آخره.أبو الصحافة العراقية كما يصفه المؤرخون وعميد الصحافة في وثائق النخب السياسية وكانت جريدته (البلاد) المدرسة الصحفية الكبيرة التي تخرجت فيها أجيال، جيل أتقن وطنية القلم، وجيل رفع شعار الوطن وجيل علمه رفائيل بطي، كيف يكون الصحفي حازما في امور لاتقبل المناورة، وهادئا في مواضع الخير والجمال.ولد رفائيل بطي في السنة الأولى من القرن الماضي لأبوين من عامة الناس، فدخل مدرسة الآباء الدومنيكان صغيرا،وتخرج فيها في السنة التي اشتعل فيها العالم في حربه الكونية الاولى.صنع كل شيء من لا شيء، جد وتوكل، وعندما أعود إلى سيرته وبداياته، تذهلني الجرأة التي كان يملكها، والشجاعة التي رافقته، والإقدام الذي رفعه شعاراً. بدأ حياته شماسا في كنيسة، كان اهلة يعدونه لأن يصبح قسا، لكنه قرر أن يصبح صحافياً: "ان أصبح صحافياً ذائع الصيت، ولجريدته دوي وانتشار بعيد المدى وفي نفسي ان أتهيأ لأكون صاحب جريدة يومية كبرى " أراد أن يكون من كبار صحافيي العراق، ومن رجال العرب، فأنشأ صحيفة البلاد في مكان من غرفتين، وجعل شعارها "البلاد في ميدان الجهاد": "أخيراً أتيح لنا ان نعمل في الصحافة أحراراً مستقلين فأنشأنا صحيفة (البلاد) عسانا ان نؤدي بها خدمة ضئيلة متواضعة في ميدان الجهاد.. جهاد هذه الأمة المغلوبة على أمرها، فالصحافة لسان الأمة الناطق ومرآتها الصافية فهي معبرة عما يختلج في أعماق القلوب وهي المجلية صور النفوس " وكان يملا اكثرها بنفسه، مقالات ادبية وافتتاحيات سياسية جريئة، وبدأ الشماس السابق، من دون أي عقد، يستقطب كبار الكتاب والصحافيين، فهمي المدرس وابراهيم صالح شكر ويوسف رجيب ومصطفى علي ومحمد رضا الشبيبي ومعروف الرصافي، وكل اسم من هذه الاسماء يكفي لاغراء القارئ بمطالعة الجريدة من الغلاف للغلاف، مما دفع العلامة الكرملي الى ان يكتب في مجلة (لغة العرب) قائلا: " يعرف كتاب العربية الكاتب المقدام رفائيل بطي فقد استحسن في بغداد جريدة سماها البلاد وقد لاقت اقبالاً عظيما من العراقيين وغيرهم.. حتي يمكن ان يقال عنها انها توافق جميع الاحزاب والمذاهب والآراء والاديان ".لم يفصل منذ انطلاقته الأولى بين نفسه ووطنه، فقد كان يصنع نفسه وهو يصنع حرية بلده، ويجعل من نفسه أديباً وهو يؤدب الطغاة.كانت افتتاحياته تبدو مثل مربعات صُفَّت بعناية فائقة، يكتب الجملة ثم يعيدها ثم يستعيدها ثم يقول للمقربين منه: اقرؤا! فينتشل الورقة من اليد قبل ان تكمل العين القراءة ويقول، فلنُعِد هذه ليست كتابة،، وكان إذا ما خطرت له جملة جميلة رقص بساعديه وهتف: هذه هي الصحافة.رفع شعاره المعروف "الكرامة والخبز والحرية"وكان يكتب: ان العراق هو حاصل مجموع الكرامة والخبز والحرية فحذار من التلاعب بهذا الثالوث.. والعراقي مقدس.. العراقي مقدس..! وكان رائده في كل ذلك، الوطن حيث رآه انقى واكبر من كل الهويات والمسميات والطوائف.
العمود الثامن :في حب المسيحيين -3..رفائيل بطي يهتف: هذه ليست كتابة

نشر في: 6 نوفمبر, 2010: 05:20 م







