TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > قناديل :التاريخ والشعوب السعيدة

قناديل :التاريخ والشعوب السعيدة

نشر في: 6 نوفمبر, 2010: 05:30 م

لطفية الدليمي ان يمتلك شعب  من شعوب عالمنا الثالث  تاريخا  حضاريا واسعا  فذلك يعني في أحيان كثيرة  انغماس ذلك الشعب في توهمات كبرى  تدفعه  لتقديس ذلك التاريخ  وشخصياته ورموزه  وتكريسها  كأساطير بطولية، فيبتعد عن متطلبات بناء الحاضر
 ويمضي بهذا التاريخ  نحو تصورات خادعة الى حد التورط  بالهوس الشوفيني والزهو  المرضي ، ويتعاظم افتتان  هذه الشعوب بتاريخها  فيصدر رعاتها  احكاما وفتاوى تحرم المساس برموزه وتحظر نقده  او مساءلته ، و يثقل الشعوب المستغرقة في  عبادة ماضيها ، تراث  النزاعات  القديمة التي قامت بين الدول والامبراطوريات الغاربة  فتحاول إذكاء  تلك النزاعات وعيشها مجددا عبر استحضار ذكراها  وتجهد لتوقظ   شهوات الثأر البدائية  في نفوس مهووسي التاريخ ، متغاضية  عن تحولات الازمنة وتغيرات الوضع البشري ..الشعوب السعيدة لا تاريخ لها – هذه عبارة مونتسكيو- فهي شعوب تحيا الزمن في مدى الراهن وترنو إلى وعد الغد ولا تلتفت قط إلى الوراء وقد نجت من الخضوع للمثال وتقليده، فلا تقلد سوى أحلامها المتحولة إلى صياغات فنية وإبداعية.تتعاظم  لدى الشعوب المفتونة بالتاريخ نزعة  التغني بالبطولات  الحربية  والأمجاد والغزوات  وتفضي هذه النزعة إلى  مضاعفة شقاء  المجموعة البشرية التي تعيش  واقعا بائسا ومتخلفا   لأنها تدرك عجزها  عن تحقيق  منجز يضاهي  أمجاد الأمس ، وينتج  عن هذا الإحساس  بالعجز ترسيخ  الجمود الثقافي  والتحجر الفكري والتوقف لدى فترة تاريخية معينة  بدل تعزيز الجهد الإنساني لبناء حاضر البشرية  وتطوير المجتمعات  ، وبترسيخ الجمود والتحجر  ورفض التحولات الثقافية في المجتمع المعاصر  تُغيّب  أغلبية الشعب عن الوعي بتحولات العصر  وتحتجز في حظيرة الماضي وتعاليمه..       القبائل المترحلة  التي لا ترتبط  بغير اللحظة  الراهنة -كالغجر وبعض  البدو, تحيا سعادتها بخفة  وامتنان  وبساطة لأنها  لاتثقل أيامها بالتاريخ  وتتعرف بثقة الى واقعها الراهن  الذي تتعايش معه وتتقبله  , لكن سعادتها في الحقيقة - سعادة  هشة وزائلة – والسعادة عادة  هشة وسريعة الزوال تمر كومض البرق -  ومثل هذه القبائل المترحلة تفتقد  الركيزة التي تستند اليها الجماعات المستقرة التي تمتلك الوعي بحركة الزمن وهي بعض موروث ثقافي مضيء  مستخلص من تراكم التجربة الإنسانية ، يعزز لديها أساليب العيش المستحدثة ويطور تنظيمات  المجتمع  وإبداع أفراده  ويريه احتمالات المستقبل.. إن شقاء الشعوب المتأرخنة - إن جاز لنا التعبير- هو  شقاء الكائنات المدجنة المسروقة من  زمنها ,والمغلولة الى أزمنة  غابرة ، فالتاريخ الحضاري  عبء ثقيل على  الأمم  الراكدة التي تركن إلى ماضيها و تجهل التعامل مع المعطى الثقافي والاجتماعي المستجد وتعوضه بالتقديس الدوغمائي  لجوانب وشخوص من تاريخ غابر.. تعيش الجماعات المسحورة بالتاريخ  في إستعارات كثيرة  من الماضي وتجهل الانسجام  مع  حاضرها  وتصر على الأخذ بأسلوب  الأسلاف وتعكس عداوات شخوص الماضي وخلافاتها على علاقات الحاضر لتقع في تناقضات خطيرة مع  زمنها - وتنفصل عما يحيط بها من مستجدات العلوم  ومتغيرات الحياة، فتناهض كل مخالف لأوهامها وتواجهه  بالعنف والإقصاء     ..  تتبنى الشعوب الحية  خلاصات التاريخ  الايجابية  ، و  تواصل صيرورتها وتجددها   ولا تتماهى  مع رموز الأمس بل  تشكل  حياتها وقيمها في ضوء اللحظة الحاضرة –مستفيدة   من دروس  التاريخ وهي  تنسج  حلم المستقبل  .. الشعوب الشقية بموروثها التاريخي الضخم ومنها شعبنا العراقي-  ظلت  تتجاهل المتغير السياسي والفكري والتراكم الثقافي لخبرات اجيالها الجديدة , فنجدها تتوسل النزعات  التي تروج للعظمة السياسية  والانتصارات الحربية وبطولات الغزو مستلهمة التاريخ الذي دونه كتبة  الخلفاء والملوك  والطغاة  ..  في الوقت ذاته  تدرك  الشعوب السعيدة ا

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram