TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > هواء فـي شبك :(حججت وأنا فـي مكاني)

هواء فـي شبك :(حججت وأنا فـي مكاني)

نشر في: 7 نوفمبر, 2010: 08:50 م

 عبدالله السكوتي يحكى ان رجلين كانا على ظهر سفينة واحدة، وكان احدهما يضمر للآخر اشد الكره والحقد، فجلس احدهما في مؤخرة السفينة، والآخر في مقدمتها، فهبت عاصفة هوجاء، وحين أوشكت السفينة على الغرق، سأل الرجل الذي يجلس في مؤخرة السفينة ربانها:
 أي جزء من السفينة يغرق اولا؟ وعند اخباره ان مقدمتها تبدأ بالغرق اولا، قال:لا يهمني ان اموت اذا استمتعت برؤية عدوي يموت قبلي. كثيرة هي المراهنات، وكثير هم الخاسرون، وايضا ربح من ربح بمراهناته وتوقعاته السيئة، ولطالما اعطينا للمتراهنين علينا، حجة قوية لمضاعفة الرهان على غرق السفينة ومازلنا نضع الحجة تلو الاخرى. كانت انتخاباتنا واقرار قانونها فتنة وقانا الله شرها، ومن ثم يأتي هذا اللغط والتصريحات غير المسؤولة مع الافعال غير المسؤولة، من جهة ويكيليكس ومن يقف خلفه، ومن جهة اخرى، دخول الكنائس واصرار القاعدة على قتل المسيحيين على مرأى ومسمع من الناس، اضف الى ذلك عدونا الجديد الذي سيكشر عن انيابه في الايام القادمة، وهذا العدو خطير جدا، لانه يرتدي ثياب صديق، وتتوالى الازمات والاحداث ونحن قد وضعنا على انفسنا دائرة لا نريد مغادرتها، لاننا نعلم ان السفينة سائرة نحو الغرق، ولم نحرك ساكنا لانقاذها او على الاقل تفريغ حمولتها في البحر، وتوزيع قوارب النجاة للناس. لا استطيع ان اجزم ان شعبا من الشعوب يتقبل هذا القتل والموت ويسير في الشارع حاملا روحه على كفيه، ولا يدري بأية لحظة يكون قد شدّ الرحال الى العالم الاخر، خصوصا وان اصرار القاعدة على تدمير العراق ليس له حدود، ويتطلب جهودا استثنائية لا تبيح للمسؤول ان يغادر العراق لاداء شعيرة يمكن له ان يؤديها في العام القادم، ويترك الحبل على الغارب، والمصيبة ان هؤلاء يسمعون ويضعون الكلام خلف آذانهم، لا يريدون ان يغيروا من سلوكهم لظنهم ان الشعب قد وهبهم الثقة في الانتخابات وانتهى الامر، ولا يعلمون انه يستطيع ان يسحبها منهم ببساطة. دوما نحاول ان نمرر ايدينا على الجراح برفق وحنان، ونحاول ان ندفع باتجاه توحيد الوطن، ومعالجة جراحه المزمنة، فلا نقول فلان فعل كذا وكذا، وحتى ان قلنا، فمحاولة لتقويم تصرف البعض ازاء الشعب وارواح الشعب واموال الشعب، لنصحُ على ان هؤلاء لا ينفع معهم لا هذا الحال ولا ذاك الحال، ولا ادري من اية طينة جبلوا، وخير ما يعبر عنهم من اقوال الانبياء والمصلحين:(اذا لم تستح فافعل ما شئت). لقد رأيت وردتين مسيحيتين، خرجتا من على قناة عشتار الفضائية، وكانتا  من الناجين من مأساة كنيسة سيدة النجاة، لقد انكسر قلبي ان تتجلل هذه الورود بأحزان الموت والثكل والخوف وهي بعد قد تفتحت لاستقبال الحياة، فتذكرت احد  الحكام حين انتفض لنداء امرأة في ثغر من الثغور، فجهز جيشا باتجاه تغيير واقعها المرير، وفي المقابل تذكرت حكاية من الاثر ان احد النساك جمع مالا للذهاب الى الحج، وهو يعتزم ذلك اذ شاهد امرأة تبحث في المزابل عن قوتها، فسألها، فشكت له حالها وعجزها عن توفير لقمة العيش، فردد مع نفسه:(حججت وانا في مكاني) وقام باعطائها المال. اي فعل نبيل لطاغية من طغاة عصورنا الماضية حين انتفض لصوت امرأة في الحدود نادت باسمه واستجارت به، واي فعل نبيل لناسك من نساكنا في العصور الماضية وهو يدفع مال الحج الى امرأة محتاجة، واي فعل خسيس تفعله القاعدة، حين تخالف الله ورسوله وتقتل المسيحيين وهم اخواننا من آلاف السنين، واي فعل آخر يفعله الاخرون حين يضعون في آذانهم وقرا وعلى عيونهم غشاوة، ولا يريدون ان يضيعوا فرصة للنزهة او الثراء، لكن ماذا نقول فبعضهم ينتظر ان تغرق مقدمة السفينة، فيضحك ملء شدقيه، ويعلم ان مؤخرة السفينة ليست بمعزل عن الغرق.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram