علي عبد السادةحتى اللحظة احاول فهم احد السياسيين المنتمين الى حزب ديني حين قال مبررا اغلاق سيرك مونتي كارلو:"البصرة مدينة الادب والشعر، وليست لبقية الفنون، لذلك فأنها (المدينة) ليست بحاجة الى السيرك".
حقا، اجد صعوبة بالغة في الامساك بلغة هذا السياسي، كيف تمكن من صناعة هذه الجملة؟ كيف له ان يسطر لغة سليمة في جملة غير مفيدة؟ جملة تأويلها هو انها غير قابلة للتأويل والشك. انها صالحة فقط لكي لا تقال. لقد خبر هذا السياسي"العارف"صورة المشهد الثقافي في البصرة فرأى انه مجزأ مفكك تحمل واحتضن الشعر والادب، وعزل الموسيقى والنحت والمسرح والسينما.اظن ان اهل البصرة انفسهم يشعرون، مع هذا الوصف، بالسخرية من سياسييهم الخبيرين بثقافة مدينتهم.ان تكون البصرة مدينة للون ابداعي معين، ولا تكون لغيره، فذاك حكم يبعث على الاسى والضحك في آن. كيف يجزئ الساسة المشهد الثقافي على هذه الشاكلة الساذجة؟ وليس بوسعنا القول انه جاهل بمكونات المشهد الثقافي، بل انه خائف مذعور من الوانه وتعدد اشتغالاته.. مثل هؤلاء خائفون من"الجمال"ويجتهدون في صبغ البصرة الملونة بلون واحد.لغة مثل هذه تنطوي بجدارة على ضيق صدر بالحريات العامة، ويصل الامر هنا، في حالة البصرة، الى محاولة غلق نافذة حية مطلة على الاخر بشمع الفتاوى الاحمر. انهم، بعد قرون من الحضارات والتماع الثقافات في بلد لا يحب الانطفاء، يصنعون مجتمعا احاديا يحرمون فيه الموسيقى والسيرك والفن التشكيلي والسينما والمسرح، وقد تفضلوا وتكرموا واباحوا الشعر والادب.نعم هذا صحيح، ليست نكتة عراقية سوداء نسوقها لتخييل المأساة العراقية. انهم، بالفعل يفعلون ذلك، اوعلى الاقل يخططون اليه.مبرر الوقف الشيعي في المدينة حين"أمر"باغلاق سيرك مونتي كارلو هو ان مكان اقامة نشاطه الترفيهي البحت كان أرضا وقفية، وليس بمقدور سيرك ان يدبك بحيواناته عليه. وللحق نقول انه مبرر منطقي ويتحمل مثل هذا السند مجالا واسعا للحل: مثلا ان ينقل السيرك براقصي الحبال وحيوانات العرض الى مكان اخر. اليس ذلك يسيرا، ويعبر، بشكل او باخر، عن ان المدينة والقائمين عليها، منفتحة حية، وهي التي كانت ولم تزل بوابتنا على العالم وبوابة هذا الاخير علينا.ام ان عولمة تجلب لنا الاخر في خيمة بسيطة وسط مدينة انهكها نقص الكهرباء واستفحال الفساد وفوضى الشوارع امر ينافي المبادئ والشرائع السماوية. كل ما يجري من كوارث في البصرة المسكينة ليس حراما، وبقي ان نحرم"بهجة"المظلومين بازمات جزء من ادامتها سياسيون يضيقون اليوم بسيرك لا حول له ولا قوة.من فضح هدف المنع المخجل ذلك الذي حملته لافتات علقت على جدران شوارع المدينة:"الدخول الى السيرك حرام". ومقولة السياسي الاثيرة، وهي تتصدر مقولات اخرين يشاركونه الرأي والفكرة، تعكس، بشكل لا يحمل اللبس، ان الاحزاب الدينية تضيق ذرعا بالثقافة وأشكال الحياة العامة بالنسبة للعراقيين. انهم يميلون، بفعل زواية حشروا اعينهم فيها، الى مجتمع"واحدي"يقتل التعدد ويعدم اختلاف الميول امام العلن.ولو افترضنا ان حديثا مدافعا عن الثقافة والوانها، وحماية الحريات العامة للناس، غير ذي اهمية في مجتمع تحرفه النخب الدينية عن المسار الطبيعي لتطور الحياة العراقية، فان ما تبقى لندافع عنه هو مستقبل المدينة نفسها؛ أذ كيف للحكومة المحلية ان تدعو الشركات الاجنبية القدوم الى البصرة والاستثمار على أرضها، بينما هي لا تتحمل سيركا بسيطا، كيف لهم ان يطالبوا بالدولة بموازنة من اجل تطوير قطاع السياحة، بينما هي لم تتحمل اجانب يصفقون لقردة سيرك. وكيف للبصرة ان تكون منفذاً عراقياً على العالم، بينما لا يستطيع العالم الدخول من زاوية سيرك ليس الا. كيف للبصرة ان يتحدث حكامها عن ازدهار المدينة وتطوير الخدمات وتعويض نقص الكهرباء والماء والخلاص من اثار العنف والميليشيات، ووقف نزف المال العام عبر مافيات الفساد، بينما هو يبذلون الحديث عن خيمة تجمع فيها البصريون ليبتهجوا ويزيحوا عن ظهورهم هم ساسة اغرقوهم في الازمات.من الصعب بمكان تخيل غد مثالي يوفر مكانا لاحلامنا، من الصعب جدا ان نتصور حياة مدنية عصرية تحترم فيها عادات وميول الجميع على اختلاف معتقداتهم ورغباتهم، بينما يظهر لنا سياسي مثل هذا القائل بسلخ البصرة عن فنونها، وما بقي لديها سوى الشعر، وحتى هذا الاخير اشك في انه سيبقى على قيد الحرية لو فكر في الخروج عن قواعد ماسكي زمام المدينة المنهكة. ربما سيكتب شاعر قصيدة مشاكسة، فيتضح، في باب شرح منعها وحظرها، انها كتبت، او تخيلها الشاعر، او القيت، او سمعت على أرض وقفية.منذ فضيحة منع الموسيقى من مهرجان بابل، وصولا الى تحريم دخول سيرك البصرة، اخاف من ان تصبح السينما وان يتحول المسرح والنحت الى مغامرة قاتلة في هذه البلاد. واخشى ان تتحجب ثقافتنا فننزوي في غياهب العالم الثالث، وينسى عشاق فننا واشتغالنا الابداعي اننا هنا في بلد اسمه العراق، اخشى ان نتحجر، او نتجمد برسم لافتة تحريم على دار عرض للازياء، او بازار للكتب، دون شك هذا رسم توضيحي لطريقة موت
خارطة طريق لتحريم الحياة

نشر في: 8 نوفمبر, 2010: 07:26 م







