TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > قرارات من عصور مظلمة

قرارات من عصور مظلمة

نشر في: 8 نوفمبر, 2010: 07:27 م

علي حسينكان الله في عون العراقيين، فقد ابتلوا بسياسيين يتحدثون باسم الشعب ويقيسون نبض الشعب.. والشعب مغلوب على أمره. يقولون ليل نهار إنهم يعرفون نبض الجماهير في عبارات فقدت معناها من سوء استخدامها وجرأة تزييفها، أفكار وآراء كثيرة يجري تسويقها في زحمة الصراع على المكاسب والامتيازات، يتحدثون باسم الشعب وفي الوقت نفسه يحجبون عن الشعب ثرواته، باسم الشعب يشرعون قوانين تمنحهم مزيدا من الثروات والامتيازات.
إحدى أبرز مشاكل النخب السياسية في العراق، أنها تدعي العمل ليل نهار لإقامة الدولة المدنية، بينما تقوض في تصرفاتها العملية كل الأركان الواجب الحفاظ عليها لمثل هذه الدولة المدنية، ولدي نموذج صارخ على هذه الازدواجية التي تعاني منها بعض النخب السياسية، وتكاد تصل بها إلى حالة انفصام في الشخصية.فقد تابعت، مثل غيري، على صفحات الصحف بعض القرارات التي يصدرها عدد من مجالس المحافظات كان اخرها القرار الذي اصدرته جهات متنفذة في محافظة البصرة بمنع السيرك القادم من فرنسا من اقامة فعالياته. فقد اصدرت جهة نافذة قراراً مضحكاً يقول ان الارض تابعة للوقف الشيعي وبهذا لا يجوز ان تقام فعاليات غير دينية عليها، ولم افهم التبريرات التي ساقها السيد مدير الوقف الشيعي في البصرة حيث قال للزميلة الصباح"ان نصب خيمة السيرك كان مخالفة قانونية وشرعية كون نصبها تم بالتجاوز على الارض الوقفية العائدة للوقف الشيعي ونفى اعطاء اي موافقات رسمية وذلك كونها ارض وقف لا يمكن تأجيرها الا بشرط الواقف الى جانب مخالفتها للشريعة الاسلامية كونها مخالفة لشروط الجهة الواقفة، والادهى من هذا الكلام ما صرح به احد رجال الدين في البصرة من ان السيرك حرام ومخالف للشريعة الاسلامية ولا يجوز ان تتم مثل هذه الامور في المدينة وذهب رجل الدين اكثر من ذلك حين اصر على ان افتتاح فندق الشيراتون مخالف لقواعد الشريعة الاسلامية ولا ندري على اي نص ديني او شرعي استند رجل الدين في فتواه التي فاقت فتوى طاليبان. يبدو ان البصرة التي عانت من ظلم صدام لعقود طويلة حين حولها الى ساحة من سوح معاركه (الباسلة)، لا يريد لها البعض ممن تولوا امور البلاد والعباد ان تتنفس هواء الحرية، وقبلها اصدر مجلس المحافظة الموقر قرارا بمنع بيع المشروبات الكحولية واغلاق النوادي والمحال حفاظا على قيم الاسلام التي رفعها قبلهم (الرئيس المؤمن) حين اطلق حملته الايمانية للرد على الهجمة الامبريالية التي يقودها عبيد الكومبيوتر، ويبدو اننا لا نزال نعيش اجواء الحملة الايمانية التي يصر العديد من السادة المسؤولين على اهميتها للمواطن وانها يمكن ان تعوضه عن انقطاع الكهرباء ونقص مواد البطاقة التموينية وانعدام الخدمات والاهم انها تحميه من شر المفخخات والاحزمة الناسفة التي عجزت الاجهزة الامنية عن الحد منها. ويبدو ان العراقيين ابتلوا بتسلط اولي الامر منهم، فلعقود ماضية كان صدام يستخدم مصطلح خدمة الشعب،  فإذا قتل الأبرياء،  فهذا لمصلحة الشعب ومن أجله،  وإذا ظلم،  فهذا باسم الشعب ومن أجله،  فالظلم عنده هو قمة العدل،  فنامت الناس على ظلم مستديم،  ولم يتبين للحرية أي خيط من نور. كان صدام ونظامه يختزل الشعب في هيئته،  فهو وحده الذي يحس بنبض الناس، ووصل الغرور بصدام الى حد جعله لا يعرف ما إذا كانت الجماهير تسير خلفه لتهتف بحياته أم تتمنى رميه بالحجارة، اختلطت عليه الأصوات واهتز طرباً للصخب والضجيج..  في ايامنا هذه انتقلت (خدمة الشعب) والسهر على مصالحهم إلى بعض الساسة الجدد فتسمعهم ليل نهار يتغنون بكلمة اسمها الشعب، وان العناية الالهية اوكلت اليهم امر هذا الشعب ففي كل كلمة من كلامهم تقفز مفردة.الشعب يريد التغيير .. الشعب يؤمن بقرارات مجالسه المحلية، الشعب يريد حكومة تقول له افعل هذا ولا تفعل ذاك، الشعب يبحث عن مسؤولين يأخذون بيده ينيرون له طريق الحقيقة، واصبحنا ننام ونصحو على كلمة الشعب وماذا يريد الشعب،.  يتحدثون عن الشعب،  والشعب منهم براء،  ماذا يريد الشعب؟ ما هي همومه ومشاغله وقضاياه وآلامه؟.. هل الشعب مشغول فعلاً بمعرفة اسم (محرم) عضوات مجلس محافظة واسط، ام هل في تجارة الحشيش وسرقة المال العام والرشوة التي انتشرت ولم تجد احد يصدر امراً شرعياً بتحريمها وكشف المتورطين فيها. لماذا انتقلت أمراض العقود الماضية إلى الساسة الجدد وكيف عرفوا أنهم لسان حال الشعب ونبض الشعب وعقل الشعب وضمير الشعب؟ ايها السادة قبل أن تتحدثوا بلسان الشعب،  لابد أن تستمعوا للشعب،   ولا يتحقق ذلك إلا بالنزول إلى الناس في الشوارع والقرى والنواحي وفي المناطق التي اصابها زلزال الارهاب، هناك فقط ستسمعون صوت الشعب. اما الشعب الذي تتحدثون عنه فهو شعب من كوكب آخر،  تفترضون أنه لا ينام الليل من أجل تطبيق شعارات حملتكم الايمانية. هل الشعب مشغول بالفتوى الظلامية التي تريد ان تطفئ وهج الحياة، ام بلقمة العيش التي تسرق منه كل يوم، هل الشعب مشغول بالتنمية وبتعبيد الطرق وبجلب الاستثمارات واعادة الحياة الى البصرة ثغر العراق ام مشغول بالنواح والعويل مثلما يريد له اولو الامر، ايها السادة ان الدين هو التسامح والالفة والرحمة والمحبة ولكم في سيرة

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram