عبدالله السكوتيكان الخطيب اليوناني (ديمادس) يخطب في جماهير اثينا وحين شعر بقلة انتباههم الى خطابه فيهم، طلب اليهم ان يسمحوا له بأن يحكي لهم من خرافات (ايسوب)، وتعود هذه الخرافات الى القاص ايسوب وهو عبد يوناني عاش في اليونان بين الاعوام (620ـ 560) قبل الميلاد، وتعد اساطيره رافدا من روافد التربية الاخلاقية، وكان يحمل في جعبته كثيرا من الحكايات الخرافية،
وعند حصول (ديمادس) على موافقة الجماهير، بدأ يتحدث فقال: كانت ديمتر مسافرة بصحبة الخطاف وسمكة الافقليس، وحين وصلوا الى شاطىء النهر، طار الخطاف في الهواء وغطست الافقليس في الماء، وعند هذه النقطة من الخرافة توقف فسألوه:حسنا وماذا عن ديمتر؟ فقال: انها غاضبة عليكم، لانكم لم تكترثوا لشؤون الدولة، وكلكم آذان صاغية لخرافات ايسوب. لم تكن خرافات ايسوب غريبة عن المجتمع اليوناني، فهي تعنى بأدب الاطفال وتربيتهم الاخلاقية وقد وردتنا من هذه الحكايات الكثير كالثعلب والعنب والسلحفاة وغيرها، ولم يكن اعتراض ديمادس على اهتمام اليونانيين بايسوب ولكنه قارن بين اهتمامهم بالخرافة، واهمالهم شؤون الدولة التي هي من الاهمية لانها تستوعب حياة الجميع واحلامهم وتطلعاتهم نحو الافضل، والخرافة بتفاصيلها ممكن ان تكون ميدانا لطرح فكرة نافعة، او تصلح ان تكون مجالا للسمر وايراد مثال من الممكن اسقاطه على هفوة من هفوات ادارية او حتى سياسية، اما ان تتسيد الخرافة ولا تقتصر على الحكاية وانما تتحول الى منهج للعمل، او سمة من سمات تميز هذا المجتمع عن ذاك، لتطبع حياته بطابع الجمود والتخلف، فهذا هو العيش في الماضي وتحت وطأة الخرافة وعدم مغادرة الجمود الى التحرر والحركة. الكثيرون ينشغلون بالخرافة ويتركون شؤون الدولة المهمة، وهذا ما حدث بالفعل بعد عام 2003، وكان الفرح الاميركي غامرا لهذا الانشداد للخلف باتجاه دهاليز التاريخ المظلم، والتفكير المتوارث الذي تنتهجه الاجيال بالتتابع، ليحصد من يحتل البلاد من عثمانيين وبويهيين وصفويين وانكليز نتائج هذا الانشداد الى الماضي، وكحواة الافاعي يخرجون افاعيهم ويبدأون يزمرون لها وهي ترقص لتخدع الجماهير وتذهب بماء وجه الشعب، لكنه من المؤكد سيمل هذه المتعة المفتعلة بمواجهة افاع سامة، وسيثوب الى رشده بمساعدة خطيب كديمادس او غيره، او بمساعدة جهد جماعي يتجاوز التفكير بقداسة الاشياء الى قداسة الشعب والوطن، او بجهد ثقافي يتجاوز الأنا والمنافع الشخصية التي يسيل لها لعاب الكثيرين من منح، او وعود بهذه المنح، ان الوطن بخطر وهو بعد تحت براثن كثيرة، منها براثن اميركا وارادتها في تغيير الخارطة السياسية، وهناك براثن القاعدة التي تحاول تمزيق الوطن للاستفراد به وتحويله الى خندق جديد تحارب من خلاله العالم، وهي كما نعلم تعادي الجميع، ومن ثم يأتي من يسير على عماه ولا يدري الى اين يفضي به سيره المتعرج، وهذا الجهد الذي يحاول ان يفضي الى عودة الامس يقابل بالتجاهل من قبل الشعب الواعي من غير ادراك الى دوره في تغيير الكثير من الاشياء، ومنها انه صاحب القرار في كل خطوة تخص الوطن الى الامام كانت ام الى الخلف، انها حياته وهو جدير بالحفاظ عليها، يكفي فقد سمع الشعب كثيرا من الخرافات شرقية وغربية، والايام الاتية ستشكل وعيا جديدا للشعب يستطيع من خلاله ان يميز بين الخرافة والحقيقة التي تحاول النيل من بنيته الاجتماعية ومصادرة هويته الوطنية ليهرول خلف الافكار العقيمة التي لا تقوده سوى الى الخسارة. والتاريخ شاهد عدل واثبات على هذا.
هواء فـي شبك: (خرافات ايسوب)

نشر في: 8 نوفمبر, 2010: 09:36 م







