علي حسين كان يوسف عبد المسيح ثروت واحدا من رواد التنوير في العراق، مثقفا شجاعا ومواجها ومترجما وناقدا، هذا الرجل العراقي المسيحي القصير الذي احبه حتى حاسدوه واحترمه نقاده، مكثار لا شيء يشغله عن تلك الصناعة التي أتقنها كلما حمل ورقة وقلماً.
ما زلت أتذكر المرة الاولى التي شاهدته فيها وأتمثل الآن تفاصيل هذا اللقاء الذي تم في مكتبه "دار الكتب القديمة" الكائنة انذاك في شقة وسط شارع الرشيد يملكها رجل شديد الشبه بيوسف عبد المسيح اسمه "يوسف عمانؤيل عبد الاحد "يكنى بابو يعقوب، كان هذا الرجل مسيحيا آخر ترك الوظيفة العسكرية ورتبها الفخمة ليتفرغ لمعشوقاته الكتب حين قرر ان يفتح مكتبة أشبه ما تكون بملتقى للمثقفين وطالبي المعرفة، كتب بأثمان رخيصة تصل أحياناً الى حد المجان والرجل فرح بما صنعت يداه، لم يكن يعرف لأي مذهب ينتمي طلاب هذه المعرفة، هناك كان صاحبنا عبد المسيح يفترش الارض وحوله عدد من الكتب يتصفح بها يدقق في العناوين وينظر في المحتويات ثم يضع الكتاب جانباً حتى تحول المكان حوله الى أكداس صغيرة من الكتب اقتربت منه لم ينتبه لوجودي ولكن حالما مددت يدي الى احد الكتب حتى رفع وجهاً يذكرك بهدوء بغداد، بطيبتها واستقرارها بانبساطها وامتلائها وعينين كعيني العارف لا تخطئان مرامي محدثها أبداً..كنت في ذلك الوقت نهاية السبعينيات مغرماً بقراءة كتاباته التي قدم فيها شرحاً وافياً عن مفهوم الحداثة وكانت مقالته الي نشرها عن كولن ويلسون في مجلة الاداب منطبعة في ذاكرتي فهذه المقالة الرائدة في التعريف بصاحب اللا منتمي فتحت الطريق امامي لمعرفة معالم واتجاهات الأدب والفلسفة الحديثة.. كان ذهني مشغولاً باسئلة كثيرة كنت اريد ان اطرحها على هذا الرجل الجالس أمامي لكنه ما ان تحدث حتى تبخر كل شيء فاكتشفت انني ماخوذ بسحر الحديث امام رجل يحسن اختيار مفرداته، هادئ، ودود، فيلسوف متمرد، يتحدث في كل موضوع فيجيد الحديث.. يناقش فلا يمل النقاش.. واحد من المتعطشين للمعرفة وكائن أتعبه البحث عن الكتاب وذبلت عيونه وهو يتسامر مع سحر الكلمات مسكوناً بالمعرفة وشغوفاً بكل جديد.. يؤمن بان الثقافة حياة للشعوب. في تلك السنوات من عمر العراق كان يوسف عبد المسيح ثروت أثراً شاخصا من آثار بغداد مثل شارع المتنبي، ومقهى البرلمان، ومكتبات شارع السعدون التي يحفظ كتبها واحدا وأحداً، كان أشبه بسقاء من سقاة بغداد، يملا جراره بماء الثقافة ليدور بين الناس، ساعيا إلى ان يزرع الارض بكل ما هو خير وجديد.جاء عبد المسيح من ديالى الى بغداد بناء على دعوة من جبرا ابراهيم جبرا الذي توسم في كتاباته وترجماته أثراً طيبا، كانت ديالى التي غادرها اشبه بعالم صغير جميل، مختلط وملون، ففي هذه المدينة الصغيرة عاش المسلمون باختلاف مذاهبهم واطيافهم عرباً وأكراداً وتركماناً جنبا الى جنب مع مسيحيين ويهود، كان والده أشهر فران في بعقوبة، الحاج عبد المسيح، وسوف يكسب ابو يوسف كسباً حقاً، يمكنه من تعليم ابنه حتى يتخرج في الجامعة، وان يشتري للعائلة جهاز راديو يجتمع حوله الجيران يستمعون الى بلبل العراق محمد القبانجي وهو يشدو بأعذب الألحان، وقد اخبرني يوسف ان القبانجي حين غنى: يا نصارى اش صار بيكم مــــا تضــيفون اليجيكــــم لأصــعد العيســــــى نبيكـــم وأسأله يسوي لي جارههبت ضجة من البعض الذي اتهم المطرب بالكفر بالدين. قالوا، ما هذا؟ يصعد القبانجي الى السماء ويكلم السيد المسيح عليه السلام و يوسطه في موضوع حبه. فقرروا ان يسوقوه للمحاكمة ويذكر يوسف عبد المسيح ان والده سعى لجمع تواقيع المسيحيين في بعقوبة لمساندة مطربهم المفضل وكان يردد: يابه والمسيح لروح البغداد، اشهد بالمحكمة واكول ابو جاسم مغلطان.لااحد اليوم يشبه هذا المسيحي القصير، يكون الشبه ممكناً عندما يكون النموذج عادياً. ويصبح مستحيلاً عندما يكون بحجم رجل جاء من بعقوبة، ليضفي علما وسماحة وبهجة لبغداد.
العمود الثامن :في حب المسيحيين -6..لا احد يشبه يوسف عبد المسيح ثروت!!

نشر في: 9 نوفمبر, 2010: 06:32 م







