حازم مبيضينتتسابق الحروف والدموع وأنا أكتب للمرة الأولى عن الأخ والصديق سامي شورش، بعد اعتيادي على أن أكتب له، وقد فجعت بخبر رحيله، وليس بيدي شيء أفعله، حتى أنني أفتقد الوسيلة لتأدية واجبي في أن أكون من بين مودعيه الوداع الأخير،
لكنني أعرف أنه بكل طيبته وتهذيبه وسعة أفقه سيعذرني ويسامحني، وهو يعرف مقدار الحزن الذي سيظل مقيماً في القلب والروح، ويعرف أن جرح فقدانه يهز كياني، ويعرف أن طعم عسل كردستان الذي كان يفخر به، وأهداني منه سيكون بعد اليوم مراً، وله طعم العلقم.فاجأني الخبر وأنا وسامي نخطط لزيارة القاهرة معاً، ونخطط لنشاط ثقافي يخدم آمال الكرد ويشرح قضيتهم، وانهمر سيل الذكرى ليربط براغ بأربيل بلندن، وفيها جميعاً كان بيت أبو هوزان الدافئ وروحه الدافئة موطني ومستقري، في عاصمة التشيك كان إفطارنا الصباحي يمتزج بالمحبة والتفاؤل وغنى النفس، وكانت أمسياتنا غنية بالنقاشات العميقة حول أوضاع العراق والمنطقة، ولم يكن يخفي عني واحداً من أسرار الثورة الكردية العظيمة التي كان واحداً من أبطالها، وتعرض لمؤامرة تسميم نفذها نظام صدام ضده حين كانت جبال كردستان الشماء موطناً له.في لندن أخذتني أيها الحبيب إلى أول بيت سكنته هناك مع عائلتك، بعد نجاتك من محاولة الاغتيال بالسم التي نفذها ضدك نظام صدام الشوفيني العنصري البغيض، وكنت ومعك عائلتك الطيبة النبيلة تتسابقون على تكريمي أنا الذي لم يكن محتاجاً لأكثر من اللقاء معك، وفي أربيل كنت تتفرغ على كثرة مشاغلك لمرافقتي، في حين لامني البعض على الانشغال بصداقتك عن طبيعة زيارتي، لكن واحداً منهم لم يفهم عمق العلاقة الرابطة بين العربي الفخور بامتلاكه زي الكرد في عمان، وبين الكردي المؤمن بحق الفلسطينيين في بناء دولتهم المستقلة على تراب بلدهم، وكسياسي واقعي على أي جزء من ذلك التراب. ستبكيك أيها الصديق قلعة أربيل التي أعدت إليها الحياة حين تسلمت وزارة الثقافة في حكومة كردستان، وسيبكيك مقهى المثقفين الذي رممته بهمتك العالية، وأخذتني إليه لنشرب استكان شاي عراقي معتق بالهيل، وستبكيك حجارة مبنى الوزارة التي أشرفت على بنائها ،بما يليق بالمثقفين الكرد، وستفتقدك النقاشات والتشريعات البرلمانية، التي كنت أعددت نفسك لها جيداً قبل أن تفكر بالترشح لعضوية البرلمان، الذي كنت تعول على دوره في نقل العراق إلى دولة القانون واحترام الحريات، وسيلفّ الحزن الشوارع والساحات وحلقات الحزبيين، ونقاشات المثقفين وسهرات نادي الصحفيين على ذلك النجيل الأخضر كما قلوبهم وضمائرهم، وأنت الذي أخذني إليهم لأقضي أجمل ليالي العمر بين أفكارهم وتطلعاتهم.لأمير الذي عرفني به سامي، ولشقيقته السيدة الأميرة التي أنجبت من الراحل سامي، الشاب الرائع هوزان، وهو واحد من أجمل وأنبل شباب كردستان، وأنا الذي كنت شاهداً على عرسه وعلى لقائه بخطيبته في عمان، ولكل المثقفين والصحفيين والسياسيين والمواطنين الكرد، أحمل باقة ورد بحجم محبتي لكردستان، وأطلب من أي واحد منهم أن يحملها ومعها سيل من الدمع، ويتركها بعناية عند قبر سامي، وأنا على ثقة أنه سيمد يده ويتناولها، وإن عجز عن ذلك فإنه سيشم منها رائحة المحبة والشوق الذي لن ينتهي.يا صديقي الذي سيظل مقيماً في الروح والذاكرة، أعترف اليوم أن شعب كردستان قد خسرك مرتين، كانت الأولى حين بقيت بلا مهمة رسمية ردحاً من الزمن، لكنك كنت خلالها تصرّ على أن تظل المناضل ومقاتل البيشمركة في سبيل القضية الكردية، والثانية اليوم، وقد اختطفك الموت ليس من كرد العراق وكرد العالم بعامة فقط وإنما من كل العراقيين الحالمين مثلك بوطن مسيّج بالحرية والديمقراطية والعدالة والمحبة والتآخي والمساواة.
وداعاً سامي

نشر في: 14 نوفمبر, 2010: 05:08 م







