TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > هواء فـي شبك :(وير مسه معبود، نينسه محمود)

هواء فـي شبك :(وير مسه معبود، نينسه محمود)

نشر في: 21 نوفمبر, 2010: 08:44 م

 عبدالله السكوتي وهذا المثل في التركية، ويعني:(اذا لم يعط الله عبده، فماذا عسى ان يصنع محمود)، ويحكى ان قائل هذا القول هو السلطان محمود احد سلاطين آل عثمان، وكان ان اجتمع قوم ممن مسهم الجوع ببابه يطلبون منه المساعدة، فاحتج السلطان عليهم بالقول:(وير مسه معبود، نينسه محمود)،
على اعتبار ان الرزق مقسوم من الله والذي لا يعطيه الله كيف لمحمود ان يعطيه، ومنهم من يقول انه يكتب على جبين المولود، اما شقي او سعيد، ومن لا يغنيه الله لا يغنيه السلطان. هذا القول استخدم كحجة يحتج بها اصحاب السلطة والمال، حين يعجزون عن توفير الفرص والعدالة في توزيع الثروات، مقتصرين في اعطائها للبعض دون البعض الآخر، وهذه مشكلة قديمة لم يجد احد حلا لها، الاموال والتحكم بها وفرص العمل التي تعطى للاقربين فهم في قواعد البعض اولى بالمعروف، لم يكد يتسلم منصبا حتى يأتي بجميع اقاربه وكأن الامر غنيمة. من المؤكد ان العراقي في زمن حكم الدولة العثمانية، عانى الامرين، وجاع وتعرّى وشكا الفقر، لكثرة الجبايات والضرائب التي اثقلت كاهله، ووصلت الامور الى ترسيخ مبدأ النهب والسلب واعتباره مبدأ من مبادئ الفتوة والبسالة، فلم تسلم القوافل المتجهة جنوبا، كما لم تسلم اختها المتجهة غربا، وكذلك الاكلاك التي تأتي من الموصل وسامراء؛ هذا كلّه كان يحصل لانعدام ثقة المواطن بمؤسسات الدولة والحكومة، ذهب الشعب الى محاولة تأمين قوته عن طريق هذه الافعال. من المسلمات ان المال يأتي على الغالب من ممارسة الفرد لعمل معين، والدولة في هذا مطالبة بتأمين الجزء الاكبر من المؤسسات والمعامل والشركات التي تستوعب اكبر عدد من الناس، وهي مطالبة في شتى عصورها ان تزيح عبء البطالة ضمن خطة ممنهجة ليتسنى لها القضاء على مرض خطير يصيب المجتمع بالوهن والضعف والتذمر، هذا اذا ما استطاعت ان توجه جلّ اهتمامها الى الاقتصاد، في حين كانت الولاية في زمن الدولة العثمانية تشرى وتباع، والشعب مصدر ثروة الولاة، ما ادى الى سلوك العشائر التي تتمتع بالقوة سلوكا يتميز (بالسلب والنهب)، والاعتماد على ما تجود به السيوف، وهذه الجدلية قائمة منذ القدم، حتى ان قولا ينسب الى زعيم اليسار الاسلامي وأحد ثورييه، ابو ذر الغفاري دعا فيه الى رفع السيف بوجه الحكومة لتأمين القوت حيث قال:(عجبت ممن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج شاهرا سيفه على الناس). على هذا الاساس، وعلى مرّ الوقت، كانت الفوضى رديفة للاحوال الاقتصادية المتردية، ولسيادة طبقات من المجتمع على حساب طبقات اخرى اصيبت بالحرمان، والنكتة في ذلك حين تقول لثري من الاثرياء:(من اين لك هذا؟)، يقول:(الله هو الرزاق)، وهو القول ذاته الذي يحتج به من يقول للسائل:(الله يطيك)، وهو قول معروف لدى العراقيين، على اساس (فقولوا لهم قولا ميسورا)، وهو يعلم ان الله لم ينزل مالا على احد من الناس، ولكن نظراً للتكافل الاجتماعي وشرعاً للزكاة والخمس، وجعله نظاما اقتصاديا مشروطا بالعقاب الاخروي ولم يأخذه بالقوة، كي لا يضطر الجائع الى رفع السيف ومن ثم تبدأ الفوضى، مع العلم ان مثل هذه الفوضى حدثت في بداية تطبيق الاسلام، حين اثرى البعض على حساب البعض ولم تكن العدالة حاضرة في توزيع الاموال. ربما يكون لتفاوت مدخولات العوائل دخل في الفوضى الاقتصادية والامنية التي يحياها العراق، فالشعب يعيش ببركات البعض كما يدعي، متناسيا ان المال مال الشعب وهو موظف لديه، وكما قال الوالي العثماني:(وير مسه معبود، نينسه محمود)، هم يقولون ويضعون الامر بيد الله، في حين ان الاموال بايديهم وهم من يوزعها، وبعد فلا دعم للقطاع الخاص، ولا مكاتب تشغيل، ولا حتى مواعيد باستيعاب العاطلين، لاننا نستهلك اغلب الوقت بمبدأ هذا لي وذاك لك، ونختلف ومن ثم نتفق لنختلف، والقائل يقول:(الله هو الرزّاق). rn 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram