علي حسيناعترف بأنني خسرت كثيرا حين لم التفت منذ البداية لكتاب هاني فحص " ماض لا يمضي " الصادر عن دار المدى وهو الكتاب الذي يروي فيه ذكرياته في العراق والتي بدات عام 1963 حين انتقل من قريته في جنوب لبنان إلى النجف ليدرس في حوزتها.، ثم ينطلق الى الكوفة ويواصل رحلته إلى كربلاء وبغداد ومدن العراق الأخرى، متذكّراً وجوها احبها وعاشرها، وكانت بالنسبة الية اكثر من صديق وأستاذ، الجواهري، السيّاب، مدني صالح، مصطفى جمال الدين، مظفّر النواب، حسب الشيخ جعفر.
التقيت هاني فحص في مناسبة جمعنا فيها الأستاذ فخري كريم وكان كما توقعته مرهفا كالنصل، لا يعرف المناورة، ممتلئا بالهم الإنساني، عاشقا للعراق الذي لم يفارق وجدانه لحظة واحدة، مسكونا بالحياة والعدالة الاجتماعية، ظل يتحدث عن الواقع العراقي بحماسة لن أنساها، كما لو كان يتحدث عن حبيب له اوبشارة يزفها للناس، حتى لكانك تحس بان الرجل شجرة ارز زرعت في العراق،وكنت أتطلع الى ملامحه الهادئة وهو يتحدث مسترجعا كتاباته عن العراق الجديد الذي يحلم به، كما لو كانت كلماته تكشف لي عن ابعاد جديدة لهذه الكتابات التي ظلت تدافع عن الانسان ضد سلطة الإرهاب والقمع، وبقدر ما كانت هذه الكلمات تجسد لي صورة المثقف الذي نحتاج اليه، كان صوته يحمل الكثير من ملامح المثقف الملتزم والتي جسدها في كتابه " ماضٍ لا يمضي " وفي مقالاته التي ينشرها بين الحين والاخر، المثقف الذي امن بان العقل خير وسيلة لانقاذ الانسان من الظلم، وان الله عادل لا يقبل بعبادة الذل والفقر، وان هزيمة الشعوب لا تأتي الامن جور حكامها وتخاذل مثقفيها الذين تلهيهم ورطات الدنيا فلا تمسهم معاناة الناس، ظلت الكتابة ولا تزال صليب هاني فحص الذي يحمله اينما حل، فهي رؤياه التي أتاحت له سفراً دائماً نحو الحرية، وأتاحت لقرائه معرفة خفايا هذا العالم الذي اغلقوا ابوابه على أنفسهم كي لا يخرجوا الى ساحة الممارسة الحرة لجسارة العقل الاجتماعي والسياسي والفكري. في أسلوب رقراق مثل انهر الربيع يقدم لنا هاني فحص في كتابه " ماض لا يمضي " سيرة طازجة لها عبق من التاريخ مازجا، فيها بين الذكريات والاعترافات.مقدما للقارئ تصويراً فريداً لنسيج العلاقات الفكرية والاجتماعية داخل مجتمع الحوزة النجفية، باعتباره مؤسّسة تاريخية ذات تراتبية لا سبيل إلى اختراقها.لكنه يقدم لنا صورة لما قام به طلبة الحوزة من اللبنانيين، وفي صفحات مليئة بالحنين يتذكر كيف ان هؤلاء الطلبة تجرؤا على وضع الساعة في معاصمهم، مع الحرص على إخفائها في بعض المجالس، ثم ضرب بعضهم ضربته الكبرى فارتدى البنطال تحت الجبة. ومن خلال ذلك، بدأوا بالتسرّب إلى حيّز أعقد في إشكاليته بقراءة المجلات العربية الأسبوعية، ثم الانتقال إلى الدوريات الأدبية والفكرية و"الفكر المعاصر" و"الهلال"ثم "الطريق" و"الطليعة". ويضيف فحص: " كنّا امتلأنا بهموم الحداثة شعراً ورواية ومسرحاً ونقداً، ولم يكن بدعاً أن يجري في مجالسنا حديث عن الدادائية والسريالية... كان هناك إقرار بجدّيتنا وطرافتنا وخطورتنا. ولأنّ المحدد الأول والرئيس للنجف هو العلم والثقافة، فإنّنا لم نقرب السياسة إلا لماماً، إلى أن كانت النكسة ففجعنا، لندخل في جدل ثقافة النكسة وثقافة النهوض".يؤمن هاني فحص بالانفتاح الفكري على العالم المتقدم والتفاعل الخلاق مع عوامل تقدمه، مع صيانة الحرية الفكرية واشاعة ثقافة الاستنارة المدنية المعتمدة على العقل والعلم وحرية الابداع في كل مجالاته و هو يقدم لنا مثالا للمفكر الاصيل خصوصا في احترامه لحق الاختلاف وتشجيع محاوريه ومريديه على ان يختلفوا معه، والمفارقة الدالة حقا في حياة هاني فحص رجل الدين الذي لا يتقن حتى الآن، كما يقول، تثبيت عباءته على كتفيه، ولم يعتد تمشيط لحيته، ولا يحسن لفّ عمامته ولا إصلاحها، هي علاقته بقوى اليسار وتعاطفه مع مناهج الكتابة اليسارية، والمؤكد ان ليبراليته والذهن المتحرر الذي تنطوي عليه كتاباته كانت ولاتزال هي الاصل وراء سماحته العقليه، وهي التي اعطتنا كاتباً لا يتردد في تسليط الضوء على كل بقع الظلام.
العمود الثامن: شجرة أرز في العراق

نشر في: 24 نوفمبر, 2010: 06:29 م







